العقل العراقي في محيط مضطرب
"رسالتي في إصلاح التعليم العالي في العراق والارتقاء به"
الدكتور طاهر البكاء
جامعة هارفرد
كامبرج ، الولايات المتحدة الامريكية
اب 2006
المقدمة
ينهض التعليم العالي والبحث العلمي بمهام علمية وتربوية ووطنية، فهو الذي يتولى إعداد المختصين والعلماء، ويطور امكانات الأفراد، ويرعى وينمي المواهب والقابليات الفردية ويضعها في خدمة المجتمع والإنسانية، ويرتقي بالفكر والتقدم العلمي والتكنولوجي من خلال توفير سبله، ووضع الإبداعات والاكتشافات في خدمة الإنسان الذي كرمه الله .
مر التعليم العالي في العراق بمراحل ومحطات وتحولات أثرت فيه سلبا أو إيجابا، ومن المؤسف له حقا انه كان من القطاعات التي تأثرت سلبا وبشكل واسع من جراء التغيرات السياسية في العراق، وفي كل المراحل والحقب، ولا تستطيع اغلب الأحزاب أو الحركات الادعاء إنها لم تساهم في الخراب الذي حدث في العراق، وصولا إلى الاحتلال وما أحدثه من انتكاسة لم يألفها البلد من قبل ، حيث عمت الفوضى، وتدخلت الأحزاب والتيارات الدينية في شؤون الجامعات ، بل صادرت إراداتها. رافق ذلك عمليات تصفيات واغتيالات للأساتذة والعلماء والأطباء، لم تستطع القوات الحكومية أو المحتلة اكتشاف خيوط واحدة منها، مع إنها بلغت في أب 2006 المئات، فاضطرت أعداد كبيرة أخرى إلى الهجرة، وبدأ الاستقطاب الطائفي والعنصري والسياسي يزحف إلى مفاصل التعليم العالي بدرجات متفاوتة، الأمر الذي يتطلب دق نواقيس الخطر وهذه الدراسة ناقوس من شخص خاض التجربة وعايشها .
إن من أولى الواجبات هي أن نتبنى فلسفة وطنية للتعليم العالي ترسخ الوحدة الوطنية ، وتؤمن بالحرية والديمقراطية ، وبان العراق لكل أبنائه دون تمييز، وان المعرفة والتفكير العلمي كلاهما حق لكل مؤهل وراغب تتوافر فيه شروط علمية معروفة، تؤمنها المؤسسات الأكاديمية.
من خلال التجربة أرى أنّ التغيير في الأسلوب التعليمي المتبع منذ زمن ضرورة علمية وتربوية وإنسانية، إذ إن اسلوب التلقين والتحفيظ دون مراعاة الرغبات والقابليات وتنمية المواهب هو قتل لها، وبهذا ينسى التربويون القول المأثور للإمام علي (ع ) " قيمة كل امرءٍ ما يحسنه ".
إن هذه الدراسة جهد فردي تستعرض تأريخ التعليم العالي بشكل مركز في فصلها الأول ، وتؤشر الواقع بلغة الأرقام في الفصل الثاني ، وتضع تصورات كاتبها للنهوض بالتعليم العالي وإخراجه من محنته ، والنأي به عن الواقع السياسي المزري ، والارتقاء بالمؤسسات الجامعية لتكون روضة عراقية غناء تزدهر فيها ألوان الطيف العراقي ، وترسم بداخلها لوحة جميلة ، من تلك الألوان يتساوى فيها العراقيون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس أو القومية أو اللون أو الدين أو المذهب ، لدرجة لا تستغني فيها الألوان الرئيسة عن الألوان الأخرى ، مهما كان حجمها ، في تلك اللوحة ، فيكون اللون الرئيسي هو الشجرة ، والألوان الأخرى الثمرة ، والأولى لا تستغني عن الثانية، وهما تتكاملان في دورة الحياة العراقية .
إن الارتقاء بمؤسساتنا الجامعية إلى هذا المستوى رساليا يؤدي بالضرورة إلى ترسيخ هوية وطنية عراقية تجمع ولا تفرق مع احتفاظ كل ألوان الطيف بخاصيته كجزء من كل، والكل في خدمة الأجزاء
.
آمل أن تجد أفكارها القبول من المختصين في التعليم العالي مسؤولين وتربويين ، وهي خاضعة لتعديلاتهم حذفا أو إضافة .
أما السياسيون في وطني فأقول لهم إن لم تستطيعوا المساهمة ايجابيا في حماية التعليم العالي مما ألحقته السياسات الحزبية فيه من خراب فإنكم ماجورون ومشكورون إن حفظتموه من تدخلانكم .
اعتمدت الدراسة بشكل أساس على تجربة صاحبها ومعايشته للتعليم العالي العراقي المعاصر ، وبعض تقارير ودراسات دوائر الوزارة ، التي أنجزت بعد الاحتلال، وفي ظروف الإرهاب والفوضى، وكما مؤشر في هوامشها .
الفصل الأول
التعليم العالي عبر مراحله التاريخية
الخلفية التاريخية
يعد العراق واحداً من أقطار الشرق الأوسط التي نشأ فيها التعليم العالي في وقت مبكر، مطلع القرن العشرين، وقبيل انهيارالدولة العثمانية، التي سيطرت على المشرق العربي لأربعة قرون، عُدّت من أسوأ حقبه التاريخية، إذ تدهورت الحياة بجميع إشكالها، وسادت قيم البداوة والتخلف، وانتشر الثالوث المرعب؛ الفقر،المرض ، التخلف .
ومع بدايات ضعف الدولة العثمانية وانهيارها، وظهور التيارات الفكرية المطالبة بالتغيير والإصلاح، والحكم اللامركزي، شهد العراق إنشاء أول كلية علمية، طبقاً للمواصفات الأكاديمية التي شاعت في أوربا، تلك هي كلية الحقوق التي أُسِّست في بغداد سنة 1908 .
تخلص العراق إثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1917) وبعدها من السيطرة العثمانية، وأصبحت ولايات البصرة وبغداد والموصل تحت الاحتلال البريطاني، بموجب اتفاقية سايكس بيكو(1916). وحَّدت بريطانيا تلك الولايات في دولة واحدة هي العراق، بحدوده الجغرافية المعروفة الآن، وظهر العراق الحديث عام 1921 بنظامه الملكي البرلماني .
وبظهوره، نستطيع القول إن العراق انتقل إلى مرحلة "الحكم الوطني المقيّد بالاحتلال" التي تشبه في نمطها وإشكالاتها وتداعياتها – باختلاف ظروف الزمان، وأسباب الاحتلال- مرحلة ما بعد الغزو الأميركي سنة 2003، المستمرة حتى وقتنا الحاضر(2006).
شهد العراق في العهد الملكي ظهور عدد من الكليات تركز إنشاؤها في بغداد ، وانحصر القبول فيها بشكل عام على أبناء الطبقات العليا سواء الحاكمة أو الثرية، ولم تكن أمام أبناء الطبقات الفقيرة فرص متاحة للحصول على الشهادة الجامعية، وذلك لضيق ذات اليد، أو أنَّ من يحصل منهم على شهادة الدراسة الثانوية أو المتوسطة، يُعدُّ ذا حظ عظيم، وكان في الأغلب موضع حسد أترابه، ممّن كانوا يرسفون في أميّتهم .
وعاش العراقيون في العهد الجمهوري 1958 بداية الانطلاقة لتغيير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، فكان التعليم بشكل عام، والعالي منه بشكل خاص، قد حظي بدعم قوى التغيير المختلفة ، التي وفـّرت الفرص لأبناء الطبقات الفقيرة لإكمال دراستهم، وأنشأت الكليات والجامعات في المدن الكبيرة "البصرة والموصل" ، لكن طاقاتها الاستيعابية كانت محدودة ، فضلا عن ذلك، فان الطبقات الكادحة ذات الكسب المحدود، ظلت لا تقوى على توفير نفقات أبنائها، فيما لو حاولوا أكمال دراساتهم الجامعية، ولم يكن بمقدور الدولة أيضاً ، توفير فرص التعليم بشكل واسع ومجاني للجميع .
التعليم في سبعينات القرن الماضي
شهد العراق – في النصف الثاني من القرن العشرين- نهضة علمية لم يألفها من قبل في جميع المستويات الدراسية ، وكانت من معالمها الأساسية البارزة مجانية التعليم بكل مستوياته، والزاميته على مستوى الدراسة الابتدائية، وتطبيق برنامج شامل وناجح لمحو أمية الكبار من الجنسين، وكذلك التوسع الهائل في بناء المدارس وتشييد كبريات الأبنية الجامعية الجديدة، لكن اغلبها افتقر إلى المواصفات الفنية الحديثة، ولاسيما تلك التي تتعلـّق بتوفير المناخ المناسب للطلبة والتلاميذ، كأجهزة التبريد والتدفئة، والإضاءة، والمختبرات العلمية، ووسائل الإيضاح وغيرها!.
وعلى مستوى التعليم الجامعي كانت تلك الفترة طموحة متفائلة، فقد تم الانفتاح على العالم الخارجي، وعقد العراق اتفاقيات عدة مع مختلف دول العالم، وأرسل آلاف الطلبة في بعثات وزمالات دراسية، للحصول على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وبأعداد كبيرة، بل كبيرة جدا، وفي مختلف الاختصاصات، التي كانت رصيداً كبيراً للبلد في مراحل صعبة لاحقة، أي أثناء فترتي حرب العراق مع إيران (1980-1988)، واحتلال الكويت وحرب الخليج الثانية (1990-1991)، وبعدها فترة الحصار التي استمرت حتى سقوط النظام سنة 2003.
ونتيجة للارتفاع الكبير والملموس في دخل المواطنين ، التحقت أعداد كبيرة من الطلبة العراقيين للدراسة في خارج العراق، وخاصة في دول المعسكر الاشتراكي السابق، وعلى نفقتهم الخاصة، واختيارهم لهذه الدول بالذات ناجم عن انخفاض تكاليف المعيشة والدراسة فيها. ورافق ذلك توسع حذر مدروس في الدراسات العليا داخل العراق، مع توسع لم يراع ِ النسب الأكاديمية القياسية من حيث نسبة عدد الأساتذة قياساً إلى نسبة عدد طلبتهم في الدراسة الأولية، وفي الواقع كانت الحاجة المضطردة للخريجين، وراء إهمال النسب القياسية أكاديمياً، أو لنقل عدم مراعاتها أو الالتزام بها.
وفضلا عن البعثات صدر قانون الكفاءات، الذي منح امتيازات للعراقيين من حملة الشهادات العليا
المقيمين خارج العراق، شجعهم على العودة للوطن، وأمـَّن لهم امتيازات مغرية من
قبيل منحهم قطعة ارض سكنية بمساحة جيدة وفي مناطق ممتازة، والسماح لكل منهم بإدخال
سيارة حديثة، وأثاث منزلي، من دون رسوم كمركية، إضافة إلى ضمان التعيين، وبرواتب
كانت مجزية في حينها .
ونتيجة للوفرة المالية التي عاشها العراق (1973- 1980) فقد زاد الإنفاق على التعليم العالي، وأتيح للجامعات أنْ تشترك في المجلات والدوريات العلمية والأكاديمية ، وفي الوقت نفسه حصلت الجامعات على التمويلات المالية المناسبة من الدولة لاستيراد الكتب العلمية بمختلف الاختصاصات ، إضافة إلى المختبرات والأجهزة الحديثة. وللسبب ذاته بوشر بتنفيذ مشاريع أبنية عديدة ، للكليات والمعاهد والأقسام الداخلية ، لإسكان الطلبة في بغداد بشكل خاص ، قامت بتنفيذها شركات عالمية متخصصة. ولعل أبنية جامعة بغداد في موقع الجادرية ومعاهد المعلمين في المحافظات خير دليل على تحسن الأبنية الجامعية ، بل الارتقاء بها إلى مستويات لم تكن متوفرة حينئذ لطلبة العديد من الدول المجاورة للعراق أو في الشرق الأوسط!.
أستطيع القول إن تلك المرحلة كانت ذهبية على مستوى النهوض بالتعليم بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص ، لكن ذلك لم يكن بعيدا عن سلبيات رافقت تلك المرحلة ، آخذين بنظر الاعتبار كل التعقيدات المحلية والإقليمية والدولية ، التي كان عاشها العراق تأثيراً وتأثـّراً.
تمثلت السلبيات التي رافقت ذلك التوسع النوعي والكمي ، بالتدخل السياسي في شؤون الجامعات ، وسياسة القبول ، وفرض فكر النظام وفلسفته ، حتى على المناهج الدراسية ، والضغط على إدارة الجامعات من قبل تنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي، والاتحاد الوطني لطلبة العراق ، الذي يعدّ واجهة من واجهات الحزب الحاكم.
لقد سيطرت الاعتبارات الحزبية والجهوية والمذهبية في اختيار الإدارات الجامعية ، إلا ما ندر، وللاستدلال على ذلك لم يعين أحدٌ رئيسا لجامعة البصرة من أبناء تلك المدينة ، وكان أغلب عمداء الكليات فيها من محافظات أخرى ، وهذا الأمر ظل سياسة ثابتة في مراحل لاحقة .
أما بالنسبة لمستوى القبول في الكليات ، فعلى الرغم من اعتماد المعدل مقياساً أساسيا في القبول بمختلف الكليات ؛ الطب، الهندسة ، والعلوم، إلا إن الأمر اختلف على مستوى الكليات التي تـُخرِّج المعلمين والمدرسين والفنانين والرياضيين ، فقد تراجعت المقاييس العلمية (المعدل) لصالح المواصفات الحزبية ، أو ولاء العائلة أو التزكية من قبل المنظمة الحزبية ، أو الاتحاد الوطني لطلبة العراق ، ولذا شهدنا كليات يغشاها الطابَع الحزبي على حساب الطابع الأكاديمي ، وكان النظام يهدف من خلال تلك السياسة الى تخرج جيل مسيَّس، ومرتبط بحزب البعث العربي الاشتراكي، كي يتولى هذا الجيل تربية الأجيال اللاحقة ، وتنشئتها على وفق نظرية الحزب الحاكم وسياساته وتصوراته ، وذلك انسجاما مع الشعار الذي رفعه النظام حينئذ "نكسب الشباب لنضمن المستقبل ".
وبغية فرض الفكر السياسي للحزب الحاكم ، فقد استـُحدث درس "الثقافة القومية " الذي راح يـُدّرس في الكليات والمعاهد وبمعدل ساعتين اسبوعيا ، يتلقى الطلبة خلال حصصه ، محاضرات عن حزب البعث العربي الاشـتراكي (نشـأته،وتجاربه)، دون الحركات أو الأحزاب السياسية الأخرى ، فضلا عن هذا، فقد اعتمد النظام مبدأ توحيد المناهج في الكليات والمعاهد المتناظرة، فحوّلها إلى ما يشبه المدارس الثانوية ، وفرض الكتب المنهجية ، وهي من اكبر الكوارث التي ارتكبت على مستوى التعليم الجامعي ، وبهذا ألغى الخصوصية في الجامعات ، وقتل روحية الإبداع والتفرد ، وإلى الدرجة التي باتت فيها جميع الكليات والأقسام العلمية نسخاً متطابقة من شمال البلاد إلى جنوبه ، وهذا ما حلّ بمختلف الاختصاصات من الطبية إلى الإنسانية ، من مثل الدراسات التاريخية ، والعلوم السياسية ، والعلوم الإسلامية ، إذ فرض النظام رؤيته في تفسير الإحداث التاريخية القريبة والبعيدة، وتجاهل الرؤى الأخرى ، ولم يسمح بعرض تفسيرات تتقاطع بأي شكل من الأشكال مع تفسيره ، بل تقصّد في تجاهلها أو تسفيهها، والأمر المستغرب إن التفسيرات والتقييمات للحركات الفكرية السياسية الأخرى ، تغيرت مرات عدة تبعاً لمواقف بعض الأقطار العربية من سياسة العراق حينئذ "1" .
إما على صعيد مناهج العلوم السياسية فقد جرى تدريس أفكار البعث ومقولاته ، والإحجامُ عن تدريس النظريات الأخرى مثل الماركسية والليبرالية ، أو إن النظام تعمد الإساءة إليها ، الأمر الذي جعل طلاب العلوم السياسية يجهلون حقائق تلك النظريات والفلسفات وينتقدونها بشكل سطحي ، وإذا ما جوبه احدهم ببعض آراء تلك الفلسفات وأفكارها ، فأنه يعجز عن المناقشة العلمية الموضوعية إلا القليل ، وربما لجأ الطالب المسيّس - تهرّباً من الإجابة- إلى اتهام المقابل بالانتماء إلى فكر معادٍ لفكر الحزب والثورة!!
ترافق ذلك مع انفراط عقد "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" التي أقيمت مطلع السبعينات وبدايات تفرد البعث بالحكم ، وقيامه بمطاردة عناصر الأحزاب الأخرى ، وأنصارها.
لم يختلف الأمر في العلوم الإسلامية ، عما كان عليه في علوم التاريخ والعلوم السياسية ، فقد قام النظام بالتدخل السافر في مناهج كليات العلوم الإسلامية وأقسامها ، وتمثـّلتْ بدايات النظام في تطبيق منهجه هذا ، بفرض إدارات جامعية تماشي سياسته التي اعتمدت الانحياز لتحقيق مآرب سياسية ، وفرض تدريس رؤى مذاهب فقهية معينة محددة ، دون غيرها ، وكانت الحالة الأكثر بؤساً ، توجيه الإساءة إلى المذاهب الأخرى ، من قبل عدد من التدريسيين بل وتكفيرها و المعتقدين بها وإخراجهم عن الملة في حالات غير قليلة ، الأمر الذي يُعدُّ إساءة بالغة لمعتقدات الآخرين ، بل استفزازاً صارخاً لمشاعرهم ، لكن ذلك لم يحقق للنظام مآربه أو أهدافه السياسية أو الدينية التي سعى إليها ، والأصح إنها جاءت بنتائج عكسية، وصولا إلى إلغاء كلية الفقه في النجف الاشرف كما سيأتي ذلك .
كانت الجامعات هدفا رئيساً، بعد الجيش وقوى الأمن ، في فرض سياسة التبعيث فكرا، وإدارة، وممارسة، فبالإضافة إلى فتح مقرات للاتحاد الوطني في الكليات، وقيادته لنشاطات الطلبة، وتدخله في بعض الحالات في شؤون علمية ، هو أبعد ما يكون عنها، فقد فتحت مقرات لمنظمات حزب البعث داخل كل كلية ومعهد ، وأصبح أعضاء المنظمة "قيادة ثانية" ومتنفذة في الكلية أو المعهد، وغالبا ما كان معاون عميد الكلية لشؤون الطلبة يـُعيّن من بين أعضاء تلك المنظمة بغض النظر عن مواصفاته العلمية في أغلب الأحيان ، أما إذا توفرت في أحد من هؤلاء ، تلك المواصفات ، فأن الأمر بالتأكيد ، يضيف إلى قوته الناجمة عن انتمائه الحزبي ، قوة أخرى تعزّز مشروعيته ، وبالتالي تحوّل بعظهم ربما إلى "دكتاتور أكاديمي" داخل الكلية ، يلعب بمقدراتها العلمية ، لأن معاون عميد مثل هذا غالباً ما يخضع للتعليمات الحزبية ويطوع العملية التربوية لها ، على حساب الرصانة العلمية الجامعية ومتطلباتها.
قادت المنظمات الحزبية والاتحاد الوطني النشاط الجماهيري ، وكانت اللجان الأمنية في الكليات والمعاهد ، تراقب الطلبة والأساتذة ، على حد سواء، بل وتراقب البعثتين منهم ، خاصة إذا لم يكن هؤلاء البعثيون من أولئك الأشخاص المتهورين، المتسلقين ، المستقوين بالأجهزة المتنفذة ، وهذه الحال شكلت قوة ضاغطة على العملية التعليمية والعلمية ، وفي حالات قليلة ، كان التدخل في النتائج العلمية سافراً بقدر أو بآخر، غير إن هذه التدخلات كانت تصرفات فردية ، يصعب السيطرة عليها ، ولم يكن أصحابها يخجلون من ارتكابها ، ولهذا كانت ظاهرة للعيان .
لعل سائلاً يسأل: "من أين جاء النظام بهذه الأساليب؟ "، ولكوني عايشت ذلك، وكنت في حينها عضوا في المكتب التنفيذي للاتحاد الوطني لطلبة العراق ، مسؤولا عن العلاقات الخارجية، أستطيع القول: إن النظام في العراق ونتيجة لعلاقاته الحسنة مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشيوعي السابقين ، استورد من حيث يدري أو لا يدري، بقصد أو بغير قصد، تلك التجربة الشيوعية معلبة من خلال الدورات والزيارات والبعثات التي أرسلها إلى تلك الدول على مختلف الأصعدة الفلاحية والعمالية والطلابية والإدارية ، وأنها لعمري عدوى سيئة لم نكن لنفقه مضارها حينئذ، وتلك هي سنة الحياة بالنسبة للبشر، فغالباً ما تظهر حكمتهم – فيما يجريه القدر عليهم- بعد فوات الأوان!
اثر الحرب العراقية الإيرانية في التعليم العالي :
كانت الثورة الإيرانية عام 1978 ، وطريقة قيامها، واستيلاء التيار الديني على مقاليد الأمور في إيران ، بمثابة الزلزال الذي ضرب المنطقة العربية بشكل عام وهزّ دول الخليج العربي بشكل خاص. ونتيجة لتقاطع الإرادات بين طروحات الخميني الهادفة إلى تصدير الثورة، والنهج القومي لدى البعث في العراق ، وخشية الأخير والأنظمة الخليجية من الهزات الارتدادية لتلك الثورة ، فقد تسارعت عمليات تقاطع الخطوط والارادات، ولعبت التداعيات الداخلية السرية والعلنية في العراق ، وتخوفات أنظمة الخليج المبررة والمفتعلة ، ومخططات بعض القوى الدولية ، أدوارا مهمة في التعجيل بنشوب الحرب بين العراق وإيران .
بدأت علامات التقاطع تظهر بين نظامي الحكم في العراق وإيران إلى العلن بتصريحات متبادلة ، استخدمها أركان النظام الإيراني ، وتحت تأثير نشوة النصر الداخلي على نظام الشاه، فرصة لإطلاق العنان لأفكارهم السياسية في تصدير الثورة إلى الدول الإسلامية الأخرى ، وخاصة العراق ، الأمر الذي أثار غضب القيادة العراقية ، هذا الغضب الذي تحوّل إلى قلق مع بروز نشاط واضح وملموس مؤيد لإيران، قام به حزب الدعوة الإسلامي ، الذي اعتمد مبدأ " حرق المراحل " ، مستفيدا من الأجواء العامة في المنطقة ، والدعم الإيراني ، لقلب الحكم في العراق واستبداله نظامه القومي بنظام إسلامي.
أدى ذلك كله إلى انتصار التيار الذي اعتمد المجابهة مع إيران ، حتى ولو كانت عسكرية ، فجرى تنحية احمد حسن البكر عن رئاسة الجمهورية، ومجلس قيادة الثورة، والقيادة القطرية لحزب البعث في العراق ، وتولى صدام حسين السلطة والمناصب كلها ليلة السابع عشر من تموز 1979، وتم ذلك كله عبر مسرحية تنازل البكر لصدام ، التي بدأت بإعدام نصف قيادة الحزب ، وعدد غير قليل من كوادر البعث ، وكان شعار هذه المسرحية أنّ "الراية انتقلت من الفارس الأب إلى الفارس المنقذ"، وبهذا بدأ العراق فعلاً، أولى مراحل كارثته الحقيقية.
استعجل صدام الحرب مع إيران ، واخذ يهيىء لها ، بعد تسنمه السلطة مباشرة ، وترافق ذلك مع عمليات استفزازية قامت بها إيران وقوى مؤيدة لها داخل العراق ، أدت إلى نشوب الحرب بيـن البلدين في أيلول 1980 .
كان رئيس النظام العراقي يعتقد إن الحرب ستكون قصيرة ، وهذا احد اكبر أخطائه ، لكنه أدرك بعد أسبوع من نشوبها انه تورّط في قضية كبرى ، لذا أعلن وقف الحرب من جانب واحد في يوم 28 أيلول ، لكن النظام الإيراني رفض ذلك ، لتستمر الحرب ثماني سنوات ، قضت على امكانات البلدين ، واستنزفتهما ماديا وبشريا ، وكان ضرر العراق اكبر، بحكم حجمه الجغرافي والبشري ، قياسا لإيران .
اضطر النظام العراقي بحكم الضرورة والأوليات إلى تعطيل برامج واسعة من خططه التنموية الطموحة التي بدأها في منتصف السبعينات ، بل انه عطل كل خطط التنمية المدنية وحول الأموال المخصصة لها إلى الجهد العسكري. كان التعليم بشكل عام ، والتعليم العالي بشكل خاص ، من القطاعات التي تضررت برامجها على نطاق واسع ، برغم حرص النظام على استمرار الحياة في هذا القطاع المهم.
وضع النظام العراقي كل امكانات الدولة في خدمة المعركة، وكان من بين سياساته " عسكرة المجتمع " ، التي شملت جميع الشرائح الاجتماعية، ومع استمرار الحرب امتدت لتشمل أولئك الذين هم خارج الخدمة العسكرية من الشيوخ والفتيان اليافعين ، بل شملت حتى المعاقين والنساء في بعض النشاطات ، وكان من الطبيعي والحالة هذه إن تشمل هذه السياسة الطلبة في مختلف مراحلهم الدراسية ، والجامعية خاصة ، وكذا الأساتذة ، فمنذ الأيام الأولى زج النظام الطلبة بالمعركة ، فتشكلت القواطع الطلابية للجيش الشعبي التي كانت مهماتها في العطل الصيفية ، وفي الخطوط الخلفية في اغلب الأحيان ، لكن ذلك لم يمنع السلطة من سوق أعداد كبيرة من الطلبة والأساتذة أثناء العام الدراسي ، حيث جرى استثناؤهم بقرارات من الغياب ، أو غيره من الالتزامات.
وفي أطار سياسة النظام لعسكرة المجتمع ، جرى تدريب كل قادر على حمل السلاح تقريباً ، وأصبح مألوفا حمل السلاح في الشارع ، فيما تحولت الجامعات والمدارس إلى مقرات للتدريب على السلاح ، وبهذا فقدت الجامعات حرمتها بدخول السلاح إليها ، وفقد "الحرم الجامعي " هيبته ولم يعد حرما آمنا.
من الإجراءات التي اتبعها النظام ، تسخير طاقات البلد البشرية والاقتصادية لصالح المجهود الحربي ، ولذا وجه الاقتصاد نحو إدامة آلة الحرب ، التي أكلت كل احتياط الوطن ، فقلصت ميزانيات القطاعات الأخرى ، وكان التعليم العالي من القطاعات التي توقف الإنفاق عليها بشكل مبكر، وحتى لا نضيع في التفاصيل التي أصبحت جزءاً من التاريخ وبغية الاستفادة من الدروس نتطرق هنا إلى ابرز ما عطل من برامج التعليم العالي:
كان برنامج البعثات الدراسية لأعداد الكوادر العلمية من البرامج التي تصدرت قرارات النظام بتعطيلها ، فقد صدر قرار تعطيل إرسال البعثات إلى خارج الوطن للحصول على الشهادات العليا ، وبدا التوقف الذي شمل بداية الأمر بعض الاختصاصات، يمتد تدريجياً ومع استمرار الحرب إلى الاختصاصات الأخرى، ليشملها جميعا ، واكتفى النظام ببرنامج الزمالات المحدودة الممنوحة من الدول الأخرى ، التي لا تكلف ميزانية العراق أموالا كبيرة ، وبهذا فقدت الجامعات التواصل مع التطورات العلمية في مختلف العلوم في الدول المتقدمة ، واعتمدت الدولة بشكل أساس - بدلا من ذلك- على برنامج التوسع الكبير في الدراسات العليا في داخل العراق، الأمر الذي سنناقشه لاحقا.
كانت مصادر المعرفة ؛ الكتب ، المجلات ، الدوريات الأجنبية، هي الأخرى قد تضررت بالقرار، ففي سنة 1983 اضطرت الجامعات وبتوجيه مركزي إلى إيقاف الاشتراكات في المجلات العلمية الأكاديمية ، ومع الأيام فقدت الجامعات المعلومات الحديثة، وانقطع التواصل مع التطورات والاكتشافات العلمية في الجامعات العالمية ، واعتمد الأساتذة على معلوماتهم القديمة ، وأخذوا يلقون على الطلاب ما هو قديم من المعرفة ، دون تحديث ، وبهذا كانت المحاضرات تكراراً لما هو قديم ، لدرجة إن الطلبة في حالات غير قليلة شعروا إن لا جديد لدى أساتذتهم ، فبرزت ظاهرة المحاضرات المستنسخة ، أي إن الطلبة يستنسخون محاضرات الأساتذة التي ألقيت في العام السابق من زملائهم الذين يتقدمون عليهم بمرحلة دراسية دون الحاجة إلى دخول قاعة الدرس ، لان سماع المحاضرات من الأستاذ لا تضيف لهم معرفة أو معلومات جديدة، وكانت هذه الظاهرة بارزة وملموسة في الكليات الطبية والهندسة والعلوم فضلا عن الانسانيات ، واستمرت وتوسعت مع استمرار الحرب العراقية الإيرانية وزادها الحصار اتساعا .
من الطبيعي جدا إن يسعى كل شخص لحماية نفسه من أخطار الحروب ، ويسعى بكل الوسائل إلى عدم الاشتراك فيها بشكل مباشر، ولما كان الاستمرار بالدراسة يؤجل الطالب من الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية ، برزت ظاهرة " الرسوب المتعمد " لدى الطلبة ، الأمر الذي أدركته الدولة ، وشرعت قوانينها الجديدة الصارمة للحد من هذه الظاهرة ، لكن ما كان يلفت النظر حينذاك ، محاسبة الأساتذة على تدني نسبة النجاح ، مع إنهم غير مسؤولين عنها ، وأصبحت تلك النسبة إحدى مقاييس تقييم الأساتذة ، فاختل الميزان ، وأصبح الأستاذ الحريص على المستوى العلمي ، والذي لا يعطي الدرجة إلا لمن يستحقها ، يتهم بأنه "يتعمد " إفشال الطلبة ، وفي حالات غير قليلة تتدخل العمادات والأقسام لرفع نسبة النجاح بإضافة درجات "كيرفcurve " الأمر الذي اثر سلبا في الطلبة والأساتذة ، ومستوياتهم العلمية والأدائية.
ونتيجة لتفاقم أخطار الحرب مع إيران والتزايد في الخسائر البشرية ، فقد رفض اغلب الطلبة المبعوثين الذين انتهت مُدد دراستهم في الخارج العودة إلى الوطن ، مما افقد البلاد كفاءات شابة كان يمكن إن تسهم في النهوض بالتعليم العالي ، رافق ذلك بروز ظاهرة عدم عودة عدد غير قليل من الأساتذة الذين تم إيفادهم للخارج للمشاركة بندوات أو مؤتمرات علمية ، رغم التدقيق والقيود والتعهدات التي فرضتها الدولة على الموفدين. أدى ذلك كله بالإضافة إلى إيقاف برنامج البعثات كما مر سابقا إلى نقص حاد في أعداد الأساتذة الأمر الذي دفع وزارة التعليم العالي إلى وضع برنامج لتعويض النقص في الأساتذة ، وسّعت بموجبه القبول في الدراسات العليا داخل القطر، توسعا غير طبيعي ، ولم يكن يراعى في اغلب الأحيان الامكانات المتاحة ، من حيث وفرة المصادر والمختبرات ، ووسائل البحث الأخرى ، إضافة إلى الأساتذة المشرفين مما اثر سلبا في نوعية المخرجات في الدراسات العليا. وتزايد ذلك مع استمرار الحرب ومن ثم الحصار كما سيأتي في حديثنا لاحقا .
احتلال الكويت
توقفت الحرب العراقية الإيرانية بعد قبول إيران في 8-8-1988 قرار مجلس الأمن المرقم (598) ، وخرج العراق منها منهكا على مختلف الأصعدة ، وكان من المفترض إن يستوعب راس النظام العراقي دروس تلك الحرب الضروس ، ويعدها " ورطة كفانا الله شرها الأعظم " ، رغم حجم الخسائر المؤسفة التي تكبدها الجانبان ، ويتجه للملمة جراح الوطن وإعادة بنائه ، إلا انه كان يفكر بطريقة مختلفة ، لاسيما بعد إن أدرك انه استدرج واستغفل في الحرب ، واستخدم من قبل الأشقاء والقوى الدولية. لهذا بدأ في التحرك لقطف ثمار الحرب ، التي أعلن نفسه "منتصراً " فيها، وجاءته الوفود العربية تهنئه بـ "نصره المبين لحماية البوابة الشرقية" ، وأخذ يرتب لنفسه حقوقاً على الدول العربية في الخليج ، لأنه حماها من "الشر" الإيراني ، وراح يمنّي النفس بموقف عربي خليجي يخرج العراق من المحن التي جاءت بها الحرب ، إلا إن دول الخليج العربية كانت لها حساباتها السياسية، إذ رأت إن نظام صدام، بات يشكل خطرا عليها ، لا يقل عن خطر الثورة الإيرانية في أيامها الأولى ، خاصة وانه ظهر بمظهر المنتصر، قياسا للشعارات الإيرانية .
ترافق ذلك مع إدراك تلك الدول إن العراق قادر على تعبئة جيش يتجاوز النصف مليون ، إضافة إلى الجيش الشعبي ، وقد فشل النظام بطمأنتها ، بل زادت سياساته اللاحقة من قلقها وخشيتها، خاصة عندما بالغ في استعراض قوته العسكرية ، ولم تنفع الشعارات القومية التي حرص راس النظام على ترديدها من إن جيشه للأمة العربية في بعث الطمأنينة لدى حكام الخليج ، فأداروا ظهورهم عما كان يمني نفسه به من موقف منهم ، تليق بتضحيات العراق والعراقيين .
إضافة لما تقدم فقد خلفت الحرب مشاكل اجتماعية واقتصادية مرعبة ، لا يمكن تجاوزها بسهولة ، لذا اعتبر راس النظام موقف دول الخليج تنكراً لتضحيات العراقيين ، لا بل مؤامرة على نظامه، وبدأ يتحدث عن ذلك علانية ، فكانت الكويت الحلقة الأضعف والأقرب ، لكن هذا لا يعني سلامة الموقف الكويتي الرسمي. تزامن ذلك مع إشارات غير واضحة من الإدارة الأمريكية عبر سفيرتها غلاسبي، فسرها صدام بأنها إطلاق ليديه في الكويت ، " وما خفي أعظم ". لكل ما تقدم ارتكب صدام حماقته الأخرى بغزو الكويت في الثاني من آب 1990، وأطلق على معركته تلك اسم " ام المعارك " ، فكانت اما شيطانية، ولدَت ماسي كارثية للعراق استمرت إلى يومنا هذا ، وجاءت بالاحتلال بعد معانات طويلة ، أي أن نيرانها أكلت الأخضر واليابس ، وكان التعليم من القطاعات التي تدهورت بسببها .
وباحتلال الكويت فرضت الأمم المتحدة حصارا شاملا على العراق ، الأمر الذي جعل التدهور يتصاعد بمتوالية هندسية في مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كان التعليم احد تلك الأصعدة التي امتد إليها التدهور، فقد استمر توقف برنامج محو ألامية ، وبدأت المدارس والجامعات تفقد كفاءاتها العلمية وذلك لضآلة الرواتب التي كان المعلمون والمدرسون يتقاضونها ، لذا ترك الآلاف منهم عملهم (قدرهم الدكتور سامي المظفر وزير التربية سنة 2005 بأكثر من مئة وخمسين ألف معلم ومدرس)، أما الجزء المتبقي منهم فامتدت أيدي بعضهم إلى الطلبة يذويهم ، فاستشرت الرشوة في هذا القطاع الذي لم يألف هكذا ظاهرة من قبل ، وبذا فقدت مهنة التعليم هيبتها، ولم يعد المعلم " رسولا " كما كنا نتغنى به عندما كنا طلبة. وتعطل عمليا قانون إلزامية التعليم ، وتسرب عشرات ألاف الطلبة من المدارس .
وعلى المستوى الجامعي اضطر الآلاف من أساتذة الجامعات إلـــــــــى ( الهروب ) إلى خارج العراق للعمل في الدول العربية الأخرى ، رغم القيود الصارمة التي فرضها النظام على سفرهم ، حتى صار معروفا إن كليات وجامعات في اليمن وليبيا والأردن قائمة على الكفاءات العراقية ، أما من تبقى منهم في العراق فاضطر اغلبهم للعمل خارج الدوام في إعمال مختلفة. باع بعضهم السكائر وغيرها في الأسواق ، بعد إن باعوا سياراتهم ومكتباتهم الخاصة، وباع آخرون منهم الأبواب الداخلية لبيوتهم ، وأصبح مظهر بعضهم ( رثا ) لصعوبة شراء الملابس الجديدة "2"، وجزء من معالجة للنتيجة وليس للسبب خصص ديوان الرئاسة (( مكرمة )) لأساتذة الجامعات بدلتيين صيفية ومثلها شتوية من معمل خياطة النجف "3" وهكذا ترك اغلبهم التواصل العلمي ، إذ لم يستطيعوا شراء الكتب أو المجلات الجديدة – إن وجدت- ومن اجل الحصول على اجور إضافية حرص اغلبهم على التدريس ساعات إضافية ، أكثر من نصابهم الأسبوعي اضعافا مضاعفة ، مما أدى إلى إنهاك قابلياتهم الجسدية والفكرية، وهذا الزخم في المحاضرات انعكس سلبا على مستوى أدائهم العلمي .
كانت الحكومة العراقية قد أدركت أن التعليم العالي قد تراجع عما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي ، بتأثير الحرب مع إيران ، وانه يواجه مشاكل جمة ، وسيواجه مشاكل اكبر بتأثير الحصار، لذا عقدت ندوة متخصصة لمناقشة سبل النهوض به ، حضرها صدام حسين ، ونقلت على شاشة التلفزيون العراقي ، وللتاريخ كان الدكتور عبد الرزاق الهاشمي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، حينئذ ، صريحا وجريئا للغاية ، إذ وقف ضد التوسع في الدراسات العليا في الجامعات العراقية ، لإنها على حد تعبيره ، وكما تختزنها ذاكرتي ، ستخرج لنا أنصاف دكاترة ، وهؤلاء الإنصاف سيخرجون لنا أرباعا ، مما يؤثر سلبا في المستوى العلمي ، غير أن هذا الرأي لم يلقَ قبولاً لدى راس النظام ، لذا أعفاه من منصبه، وعين الدكتور همام عبد الخالق من الطاقة الذرية مكانه ، ونحن هنا لسنا في مجال الاعتراض على الدكتور همام ، ولكننا نحاول تاشير الاتجاه الذي كان يفكر به راس الدولة . وهكذا جرى إغراق الجامعات بالخريجين الجدد من الجامعات العراقية ، الذين لم تسعفهم الظروف للإطلاع على التقدم العلمي في الجامعات العالمية على الرغم من أن أعدادا منهم أثبتت جدارة كبيرة لكنها جدارة، ينقصها التواصل مع حافات العلم ، وهي حالة تتطلب المعالجة وكما سيأتي .
ومع الأيام ونتيجة لهجرة أعداد كبيرة من الأساتذة اعتمدت الجامعات على حملة الماجستير في تدريس الدروس النظرية ، الأمر الذي يخالف الأعراف الأكاديمية ، والمقاييس النسبية الجامعية المعتمدة في مختلف بقاع العالم ومنها العراق قبل الحروب والحصار .
رافق ذلك توسع غير مدروس في فتح الكليات والجامعات الجديدة في المحافظات ، دون توفير المستلزمات من الأبنية والمختبرات والأساتذة ، ومع إن إنشاء جامعة في كل محافظة هدف نبيل ، إلا إن ذلك يجب إن يراعي الامكانات المتاحة ، ويوفر لها أسباب النجاح والتقدم والرقي ، غير أن ما يمكن تسجيله هنا ، هو إن فتح أو إغلاق الجامعات كانا يجريان بموجب قرارات سياسية في اغلب الأحيان ، أكثر مما كانا تعبيراً عن استراتيجية وزارة مخطط لها بحسابات علمية دقيقة .
وعلى سبيل المثال لا الحصر نسوق هنا عدداً من الأمثلة ؛ فقد ألغى صدام جامعة الكوفة بعد هزيمة العراق 1991 ، وذلك عقابا لمدينة النجف لمشاركتها بالانتفاضة ضد نظام الحكم ، وأمر بتأسيس جامعة بابل ، وعند لقائه بوجهاء محافظة النجف أعاد فتح جامعة الكوفة ، دون كلية الفقه ، و دون مراعاة للامكانات البشرية والمستلزمات. ومثال آخر على اللاتخطيط (مبادرة ) وزارة التعليم العالي بفتح كلية لطب الأسنان في جامعة الانبار على اثر حديث صدام حسين مع الجموع التي استقبلته في الرمادي ومطالبته لهم الاهتمام بتنظيف أسنانهم ، رغم إن الوزارة كانت تعلم علم اليقين عدم توفر ابسط الامكانات لفتح تلك الكلية ، وقد بقيت تلك الكلية تعاني من انعدام الكادر ألتدريسي ، لدرجة إننا لم نجد في عام 2005 إي شخص من بين منتسبيها تتوفر فيه ابسط المواصفات ليكون عميدا للكلية ، حتى إن الأهالي اخذوا يطالبون بنقل أبنائهم إلى بغداد. وهناك أمثلة كثيرة، لكننا نكتفي بذكر التالي منها ؛ إذ تم استحداث قسم للقانون ربط بكلية الآداب جامعة ذي قار، وأخر مثله ربط في كلية الإدارة والاقتصاد جامعة القادسية ، ليكونا نواتي كليتين للقانون في الجامعتين ، إلا إن القسمين بدءا يخرجان الطلبة، ولم تتوفر الامكانات لتأسيس الكليتين حتى عام 2005 .
اعتمدت الدولة في سنوات الحصار على ما أطلق عليه " التدبير الذاتي " وبعده مبدأ " تعظيم الموارد " ، وطلب من دوائر الدولة المختلفة اعتماد هذين الأسلوبين في توفير المستلزمات وسد الحاجات ، ولم يتم التمييز بين الدوائر الإنتاجية القادرة على الإنتاج وتدبير وتعظيم الموارد ، وبين الدوائر الخدمية التي ليس بمقدورها توفير متطلبات الاكتفاء الذاتي ، ومنها الجامعات التي اضطرت إلى إلغاء الكثير من الخدمات المقدمة للأساتذة والطلبة ، على قلتها ، فقامت بتأجير المنشات الخدمية من قبيل النوادي والأكشاك وساحات وقوف السيارات ، ومكاتب القرطاسية والاستنساخ بالمزادات العلنية ، من اجل جلب موارد اكبر، وهذا بالتأكيد جاء على حساب الأساتذة والطلبة ، حتى بلغ الحال بأغلب الكليات إلى تأجير المرافق الصحية إلى متعهدين ، لإدامتها وتنظيفها ، مقابل احور تفرض على كل من يستخدمها ؟؟!! .
استمر عجز الجامعات عن توفير المصادر والمراجع ، وأصبحت المكتبات في الجامعات والكليات خاوية ، ليس فيها أي جديد من الإصدارات العلمية ، دوريات أو كتب "4" ، بل إنها عجزت حتى عن توفير ( الكتب المنهجية ) التي فرضتها ، كما مر سابقا ، وظهر الكتاب المستنسخ ، وأمام الحالة المالية السيئة لأغلب الطلبة ، وعدم قدرتهم على شراء الكتب- إن وجدت ، نظراً لارتفاع أسعارها بشكل فاحش ، وعجز اغلبهم عن توفير مبالغ الاستنساخ- برزت ظاهرة كتابة المحاضرات داخل قاعات الدرس ، فبدلا من الحوار والنقاش ، ظهر لدينا جيل من الأساتذة يقرأ ون في الكتاب ويقوم الطلبة بالكتابة ، وهذا لعمري إفلاس ما بعده إفلاس ، ومن غرائب الأمور إن بعض الطلبة اخذوا يشكون الأساتذة الذين لا يقومون بهذا الأسلوب البائس .
لاحظت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تدنيا في المستوى العلمي بشكل عام ، وشيوع ظواهر لم تكن مألوفة سابقا ، وبغية الحد منها ابتدعت الامتحانات الوزارية في الجامعات ،؟؟!! وذلك بجعل امتحانات أخر السنة ، في بعض المواد ، غير المعلن عنها سلفا ، وزارية .تكون أسئلتها وتصحيح دفاترها مركزيا في الوزارة ، وذلك بغية الضغط على الأساتذة لإكمال المناهج الدراسية ، وإجبار الطلبة على الجد والاجتهاد ، ووضعت مكافاءات للأساتذة الذين يحقق طلبتهم نسب نجاح متقدمة ،وكذا يكافأ عميد الكلية التي تسجل كليته تميزا في الامتحانات الوزارية ، الأمر الذي دفع احد العمداء ، ومع الأسف ، أن يرتكب حماقة ، عندما تولى بنفسه عملية " غش جماعي " لطلبة كليته ؟؟ ، ولما علمت الوزارة عاقبته على ذلك الفعل الشنيع .
وعلى مستوى الدراسات العليا فقد أدى التوسع الكبير في القبول ، ولمختلف التخصصات ، والذي كان خارج الامكانات المادية والبشرية للأقسام العلمية والأساتذة ، إلى شيوع ظواهر مؤسفة جدا ، منها ضعف ملموس في مستوى عدد لا يستهان به من الخريجين واطاريحهم ، وهنا تحققت نبوءة الدكتور عبد الرزاق الهاشمي ، التي اشرنا إليها آنفا ، الأمر الذي دفع وزارة التعليم العالي إلى ابتكار طريقة " الكابس العلمي " إي إرسال احد الأساتذة في الاختصاص نفسة من جامعة أو كلية أخرى ، لحضور المناقشة بشكل سري ، بصفة متفرج ، وتقديم تقرير عن مستوى الرسالة أو الأطروحة ، وموضوعية وجدية أعضاء لجنة المناقشة ، وغيرها ، تطور موضوع الكابس العلمي إلى " لجنة الكبس العلمي " التي تشكلها وترسلها بشكل سري الدائرة التربوية في رئاسة الجمهورية ، وكل هذه كانت معالجات للنتائج دون الأسباب ، التي ظلت قائمة إلى ما بعد الاحتلال .
نص قانون الخدمة الجامعية على إحالة موظف الخدمة الجامعية حين بلوغه الخامسة والستين إلى التقاعد ، وللوزير بطلب من الجامعة تمديدها سنتين ، وفي حالة تطبيق هذا النص فان الراتب التقاعدي ، لا يكفي الأستاذ وعائلته معيشة يوم واحد، لذا عزفت الجامعات عن إحالة المشمولين، وابتدعت الدولة ،" دائرة الاحتياطي القريب "، التي أنشئت بالأساس للضباط ، فأصبحت ترعى الأساتذة أيضا. كل ذلك من اجل إن يبقى الأستاذ يتقاضى راتب الجامعة الذي وانْ كان لا يشبع من جوع ولا يحمي من برد ، إلا انه أفضل نسبيا من رواتب بقية موظفي الدولة الآخرين والمتقاعدين. هذا إذا استثنينا منتسبي الحرس الخاص والجمهوري ، والتصنيع العسكري ، وغيرهم من منتسبي الدوائر التي تعمل بأنظمة وقوانين خاصة .
لذا شاهدنا أساتذة كانوا مجبرين على الاستمرار بالوظيفة وقد بلغ بهم الكبر عتيا ، وهدّ أجسامهم المرض ، لكنْ ليس أمامهم إي خيار أخر ، لان الإحالة إلى التقاعد تعني الموت جوعا .
الحرب والاحتلال 2003
لم يكن رأس النظام يعتقد إن الاحتلال في الحرب الأخيرة ممكن الحدوث، رغم حجم الحشود الأمريكية ، وكان أقصى ما يتوقعه ، هجمات صاروخية أو جوية، لا تهدف إلى إسقاط النظام واحتلال البلاد، وهذا من أخطائه الكبرى الأخرى ، لذا اتخذت حكومته ، إجراءات داخلية لمواجهة انتفاضة شعبية –كانت متوقعة في حساباتها- أثناء وبعد الهجمات المحدودة، آخذة العبرة من تجربة 1991 ، فركزت خططها على حماية المؤسسات، وجندت لذلك عناصر المؤسسات ذاتها، من موظفي الأمن الذاتي والبعثتين ، ووفرت لهم الأسلحة الضرورية ،والمواد الغذائية الكافية "الأغذية الجافة" ، ووسائل التنقل والاتصال.
كانت الجامعات من المؤسسات التي كـُلـِّف البعثيون بحمايتها من خلال تنظيمات الشعب والفرق الحزبية ، المكونة من الأساتذة والموظفين والطلبة، وكانوا لا يغادرون أماكن واجبا تهم المنوطة بهم ليلا ونهارا.
وبتصاعد العمليات العسكرية، وتداعيات الانهيار السريع للقوات العراقية، وتقدم قوات الاحتلال نحو بغداد، ظهرت علامات الانهيار على البعثيين المكلفين بحماية الجامعات، وبدأت أعداد منهم الانسحاب إلى بيوتها ، أو إلى مناطق آمنة أخرى ، ولم يبق في الجامعات إلا أعداد قليلة.
وعندما سقطت بغداد في التاسع من نيسان 2003 ، كانت المؤسسات والدوائر الحكومية أهدافا لعمليات النهب والسرقة من قبل الجياع، واللصوص، والنهـّابين، ومغتنمي الفرص، ففقدت الجامعات مجوداتها من أثاث وأجهزة مختبرية وحاسبات وسجلات، ورافقت ذلك عمليات إحراق منظم لبعض الدوائر الحكومية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم إشعال حريق كبير جدا في الدوائر الإدارية والمالية للجامعة المستنصرية ، قضى على كل موجداتها ، بل حوّل البناية الى هيكل خاو ٍ، بحيث كنا نخشى من سقوط سقوفه على الرؤوس. و قيلت روايات كثيرة عن أسباب الحريق، منها عـُزيت لظروف شاذة داخل الجامعة ذاتها، وأخرى اتهمت جهات أجنبية ، وثالثة تؤكد إنها شاهدت عناصر من الكويت، تقوم بذلك انتقاما لما قام به العراقيون في الجامعة الكويتية .
لم يسلم من عمليات النهب والإحراق سوى بعض المواقع التي دخلتها قوات الاحتلال وتمركزت فيها، مثل موقع الجادرية لجامعة بغداد، وكلية طب المستنصرية في اليرموك، ولعلّ أجمل ما سجلته الذاكرة، أنّ مواقع أخرى سلمت، لان منتسبيها دافعوا عنها ببسالة مثل كلية الإدارة والاقتصاد وكذا طب الأسنان في الجامعة المستنصرية، ولكل واحدة منهما أو لغيرهما قصة مختلفة، تبعث على الاعتزاز بعراقيين عبّروا عن انتمائهم الوطني في وقت كانت فيه الأنظار منصرفة إلى أعمال "نهب عام" جرت في كل مكان من أرض العراق، ولاسيما في بغداد!
كان الدمار شاملا في الجامعات العراقية وبنسب مختلفة، فقد أصيبت جامعة البصرة بأضرار جسيمة، وكذا الأمر بالنسبة لجامعات القادسية وبابل والكوفة وديالى و المستنصرية والجامعة التكنولوجية ، ومواقع جامعة بغداد في باب المعظم. وتعرضت بعض الأبنية لهجمات مباشرة، ذلك لان النظام نصب أسلحة مقاومة الطائرات على سطوحها.
بُذلت جهود كبيرة في نهاية نيسان 2003 من اجل استئناف الدراسة وإكمال المناهج، وإجراء الامتحانات النهائية ، فعقدت إبان تلك الفترة اجتماعات عدة، وكانت غالبية الآراء تتجه إلى الإسراع بدعوة الأساتذة والطلبة للمباشرة بالدوام .
اصطحبت سلطات الاحتلال معها خبراء متخصصين، تولوا الإشراف على الوزارات العراقية، وقام الدكتور" اندرو اردمن" ،بالاشراف على التعليم العالي، ساعده عدد من أساتذة الجامعات الأميركية، وأساتذة آخرون من اصول عراقية.
دعا "اردمن" رؤساء الجامعات للاجتماع به في مقر جامعة بغداد ، وبعد عدد من اللقاءات والخطوات، ومنها عملية دفع رواتب المنتسبين أساتذة وموظفين، وحصوله على الإحصائيات ، وتأسيس قاعة بيانات -وكجزء من خطة استبدال الادارت الحكومية السابقة- قرر إجراء انتخابات في الكليات والجامعات كلها، لاختيار ادارات جديدة، عمداء، ورؤساء جامعات، وأعلن عن ذلك في بداية ايار 2003 .
جرت الانتخابات في جامعات المحافظات، تحت إشراف قوات الاحتلال في كل محافظة، وجرت في بغداد تحت إشراف فريق من الأساتذة المكلفين بقيادة التعليم العالي، ففي الجامعة المستنصرية التي انتخبتُ –أنا شخصياً- رئيسا لها في 14 أيار ، كان القرار إن لا يرشح فيها من كان بدرجة عضو فرقة في حزب البعث صعودا، وكذا العمداء ورؤساء الجامعات السابقين، وبهذه الطريقة تم تغيير الادارات الجامعية السابقة، واستبدالها بادارات جديدة انتخبها الوسط الجامعي، وليس لها علاقة بالاحتلال، فالقوات المحتلة لم تكن تهتم بمن يأتي أو بالبديل ، بقدر اهتمامها بتغيير القديم كجزء من إجراءات "خلع السلطة"، وإنهاء حضورها في تفاصيل حياة المجتمع.
وبعد اسبوع من الانتخابات استؤنفت الدراسة في ظل أوضاع غاية في الصعوبة، إذ لم تكن لدينا أية مستلزمات، وللاستدلال على ذلك، فأنا شخصياً، باشرت الدوام في الجامعة و ليس فيها كرسي لرئيس الجامعة، أو شبابيك في مكتبه. لقد سُرقت كل الأجهزة المختبرية وأجهزة التبريد، والمراوح السقفية، وغيرها كثير، ولم يكن أمامنا إلا أنْ نجمع الأثاث من الجوامع والحسينيات التي ساعدتنا ، بعد مناشدتها لإعادة أثاث الجامعات وموجداتها ، وألجأتنا الحال المزرية حينئذ إلى شراء بعض اجهزتنا المختبرية المسروقة من سارقيها أنفسهم، بأسعار زهيدة ، لأنهم لم يكونوا ليقدّروا أثمانها. وفي هذا المضمار، بذل عدد من الأساتذة ، والموظفين جهودا جبارة لا يمكن وصفها إلا" بجهود عراقيين وطنيين غيارى" .
أصيبت الجامعات بخسارة كبيرة ، بصدور قرار "اجتثاث البعث "، الذي شمل 1630 استاذا وموظفا جامعيا، وكان الأساتذة المشمولون بهذا القرار من اختصاصات مختلفة، ويشرفون على عدد كبير من طلبة الدراسات العليا، فازداد الارتباك في الوضع الدراسي ، وبرغم إننا ناشدنا المسؤولين الأمريكان للتراجع عن القرار، أو استثناء الأساتذة منه، وحصره بمن ارتكب جريمة أو إساءة إلا أنهم تجاهلوا مناشداتنا وكأنّ في أذانهم وقراً!، فلم يصغوا إلينا، حتى لقد قال احدهم " إن هذا القرار من واشنطن " . وفي احد اجتماعات رؤساء الجامعات الذي عقد في مبنى جامعة بغداد بالجادرية وحضره السفير بول بريمر "الحاكم المدني الأمريكي العام"، نظم عدد من طلبة الجامعة المستنصرية تظاهرة خارج قاعة الاجتماع، دعوا فيها إلى إعادة أساتذتهم ، فطلب مني السفير الأمريكي التفاهم معهم ، فقلت له إن مطلبهم مشروع وأرجو الاستجابة له، لكن هتافاتهم وتأييدنا لها لم تلقَ آذاناً صاغية هي الأخرى مثلـُها مثلُ مناشداتنا التي ذهبت أدراج الرياح!. وكنت قبلها طلبت من الأساتذة المشمولين بالقرار الاستمرار بالدوام تدريسا وأشرافا ، تطوعا ودون مقابل، خدمة للطلبة والوطن، وقد لاقت دعوتي استجابة كبيرة، وثبتوا ذلك خطيا .
بدأت ظواهر الانفلات تطفو على السطح في المجتمع العراقي، وهذا أمر طبيعي ، كان حدوثه لا مهرب منه، بعد غياب السلطة تماماً، وبعد حكم شمولي دام عقوداً ثلاثة ونيّف ، ولأنه لم تكن هناك سلطة تملأ الفراغ ، فقد لعب المتطفلون أدوارا مختلفة، وبرزوا بأسماء متعددة من أحزاب علمانية أو دينية، ليستولوا على بعض موجودات دوائر الدولة ومرافقها، ورفع يافطات بأسماء تلك الأحزاب أو الحركات أو التيارات الدينية على بواباتها. ومن الغرائب إن بعض رجال الدين المعمّمين، وبمعاونة عدد من الأساتذة والطلبة، راحوا يفرضون اراداتهم على الكليات والجامعات، باسم الدين أو المذهب أو المظلومية التاريخية ،ا و وباسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وغيرها من الشعارات والادعاءات التي لم تكن إلا كلمات حق أريد بها باطل!. وقام نفر من الطلبة بالتدخل في شؤون الكليات بتأسيس روابط طلابية عديدة، لدرجة يصعب حصرها، وكل يدعي المشروعية وتمثيل الطلبة، وكانوا وبفوضوية لا مثيل لها، يتظاهرون بمناسبة أو بدونها ، وكان مما رأيناه –ولو بدرجة اقل- وانضباط أعلى ظهور روابط للأساتذة الجامعيين.
قاومت الإدارات الجامعية بدرجات متباينة هذا المد والتدخل في شؤونها، لكن بعضها انزلق مزالق خطرة ، حين استقوى واحتمى بالقوى الجديدة ، واستقدمها إلى المواقع العلمية ، وفرض إرادته على الطلبة والأساتذة ، وبهذا برز التنابز والتناحر بين الاتجاهات المختلفة، ونشبت نيران اتهام من يعارضهم بأنه من ازلام "النظام السابق " أو انه كان بعثيا ، والغريب إن بعضهم كان" مداحا رداحا " فتحول بقدرة قادر إلى قائد في حزب أو تيار جديد، يمارس الأساليب التي استنكرها على البعث والبعثتين، وربما بصورة أقسى و أمر .
أخذت هذه الظاهرة منحى أخطر عند تشكيل حكومة عراقية من دون رئيس، إي في ظل الإدارة المدنية للحاكم المدني " بريمر" وهي الحكومة التي اصطلح على تســـميتها بحكومة " مجلس الحكم " التي جاءت مشابهه له ، من حيث التقسيم على أسس مذهبية وطائفية فكانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من حصة الحزب الإسلامي العراقي، الذي فرض إرادته على الوزير والوزارة والتدخل في شؤونها، وأراد إجراء تغييرات في الجامعات، تخدم أهداف الحزب نفسه ، وجرى ما يشبه هذا تماماً في بعض الوزارات الأخرى ، تحت سـيطرة أحزاب من ألوان أخرى . وللاستدلال على ذلك، أذكر إن السيد الوزير طلب مني عندما كنت رئيسا للجامعة المستنصرية ، ترشيح عميد لكلية العلوم من أهل السنة، باعتبار إن العميد السابق الذي نقل إلى الجامعة التكنولوجية كان سنيا، فلما اعترضت على ذلك وقلت له إنني عينت عمر الراوي بعد اغتيال المرحوم الدكتور عبد اللطيف المياح رئيسا لمركز دراسات وبحوث الوطن العربي لأنني اعتمد الكفاءات والمقاييس العلمية ، أخبرني أنه محرج من قبل الحزب الإسلامي وأهل السنة ، كان هذا مثالاً على ما جرى، وهناك امثلة كثيرة ، أقلّ ما نقوله بحقـّها أنـّها تنكـّر كامل لقيم العلم والدين والمواطنة الحقة.
شعرنا بخطورة هذه الظاهرة، فتصدينا لها، كل حسب اجتهاده ومقدرته في مقاومة تدخلات الأحزاب والحركات وكذا بعض قرارات الوزارة، التي لم تعتمد على آراء الجامعات. وأذكرُ أنّ اجتماعات رؤساء الجامعات كانت قصيرة جدا، وليس فهيا أي مظهر من مظاهر المناقشة ، فغالبا ما كان السيد الوزير يلقي تعليماته وينهي الاجتماعات دون مناقشات مستفيضة ، لكن اجتماع رؤساء الجامعات الذي عقد في اربيل 15 آذار 2004 والذي لم يحضره الوزير، وترأسه د . عبد الرحمن الحسيني رئيس جهاز الإشراف والتقويم في الوزارة، اتصف بالنضج، حيث أخذنا وقتنا الكافي في المناقشة، واصدرنا إعلانا لحماية الجامعات من تدخلان الأحزاب والقوى السياسية، عُرف " بإعلان اربيل "5 "، لكن الأحزاب والتيارات كانت ابعد من إن تلتزم بدعوتنا تلك، فأخذ كل منها يتصرف بأسلوبه وطريقته لمصادرة الإرادة الجامعية .
كان إعلان اربيل عبارة عن مبادىْ عامة تصلح إن تكون برنامج عمل وطني ، تنأى بالجامعات عن الصراعات الطائفية والعنصرية والسياسية ، غير إن ما يحز في النفس ، إن اغلب القوى السياسية المتنفذة في البلاد ألان لا تختلف بعقليتها وطرق عملها عن التي كانت تعارضها ، و أسقطتها بالحرب والاحتلال ، في عدم قبول الأخر ، ومحاولة الاستحواذ على المؤسسات الرسمية ، ومنها الجامعات ، لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة ، وانطبق عليها القول المأثور :-
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيمُ
تشكلت الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة الدكتور أياد علاوي وتم" استلام السيادة" رسميا بعد مداولات قام بها الأخضر الإبراهيمي ، مندوب الأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق مع الإدارة المدنية في البلد ومجلس الحكم و الأحزاب التي لم يكن لها ممثلون في ذلك المجلس ، وهي قوى وشخصيات عراقية من مختلف الأطياف، لذا جاءت مختلفة عن مجلس الحكم والحكومة السابقة، إذ تجاوزت المحاصصات الطائفية بنسبة كبيرة إلى الاعتماد على الكفاءات الفنية، وان لم تهمل التمثيل السياسي لمختلف المكونات القومية والسياسية، وقد أدارها الدكتور علاوي بكل حرفية، بعيدا عن كل مظاهر المذهبية والطائفية والعنصرية ، وكانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من حصتي، إذ أراد الأخضر الإبراهيمي ان يتولاها احد رؤساء الجامعات ، من غير المرتبطين بأحزاب سياسية، لذا عقد اجتماعاً مع عدد من رؤساء الجامعات لم أكن من بين حاضريه، رغم توجيه الدعوة لي لحضوره، فأشاروا إليه بتكليفي ، كما أشار له بذلك الدكتور وميض عمر نظمي من القوميين العرب البارزين، وكذا فعل الدكتور قيس العزاوي من الحركة الاشتراكية العربية رئيس تحرير جريدة الجريدة، وفي مجلس الحكم لم يكن الاعتراض كبيرا علينا إلا من بعض الأحزاب الدينية، وكنت موضع اختيار الدكتور إياد علاوي المكلف بترؤس الوزارة عندما خـُير بيني وبين شخص آخر .
حظي التعليم العالي بدعم كبير من حكومة الدكتور إياد علاوي ، وكان متفهما بحق لطلباتنا واحتياجاتنا، ولم يتدخل مطلقا في فرض اي شخص على الوزارة، وللتاريخ أقول: طلب مني رئيس الوزراء وبكتاب رسمي تعيين الوزير السابق رئيسا للجامعة المستنصرية، وقال إن هذا بناء على رغبة الحزب الإسلامي وامينه العام الدكتور محسن عبد الحميد، فأوضحت لسيادته الإلية العلمية الأكاديمية التي اعتمدناها لتعيين العمداء ورؤساء الجامعات، فضلا عمّا تعانيه الجامعة المستنصرية من مشاكل قد لا يستطيع شخص من خارج ملاكها إدارتها ، لعدم احاطته بتفاصيل الصراعات فيها حينئذ، فما كان من الدكتور أياد علاوي إلا إن يقدر لنا هذا الأسلوب في الإدارة ، ويحترم ما ذهبنا إليه من آليات عمل . وكذا كان تعاملنا مع طلبات مماثلة جاءتنا من السيد رئيس الوزراء، محولة إليه في الأصل من نائب رئيس الجمهورية الدكتور إبراهيم الجعفري .
حرصنا على إرساء تقاليد علمية، والنأي بالجامعات عن التدخلات السياسية، وعدم معالجة الخطأ بخطأ مثله، لذا دققنا كل الطلبات المقدمة التي ادعى أصحابها إنهم من المفصولين السياسيين ، واعدنا إلى الخدمة كل من ثبتت صحة ادعاؤه ، ورفضنا الكثير منها لأنها ادعاءات لا تقوم على دليل. وفي الوقت ذاته، بذلنا جهوداً كبيرة مع اللجنة العليا لاجتثاث البعث لإعادة الأساتذة الذين أوصت كلياتهم وجامعاتهم بإعادتهم ، وقد تم ذلك وفق الأصول.
وبالإضافة إلى ما تقدم، عرضنا على السيد رئيس الوزراء حالة النقص الشديد في الملاكات العلمية، وأوضحنا له إن الاستثمار في التعليم العالي هو استثمار في المستقبل، وانه يرقى في أهميته إلى مستوى التحديات الأمنية الطارئة ، فوافق من فوره على تخصيص مبلغ مئة مليون دولار أمريكي سنويا لاطلاق البعثات للحصول على الشهادات العليا من الدول المتقدمة، وللأمانة لعب الدكتور زهير عبد الغني حمادي الأمين العام لمجلس الوزراء دورا كبيرا في صناعة هذا القرار .
وبتشكيل مجلس الأعمار كان الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء رئيس المجلس متفهما هو الأخر لحاجات الجامعات العراقية، ولما عرضنا على المجلس خططنا في اعمار الجامعات وإنشاء أبنية جديدة، وافق على تخصيص خمسة وعشرين مليون دولار شهريا قابلة للزيادة، اعتماداً على قدرتنا في تنفيذ المشاريع، وهكذا باشرت الجامعات بتنفيذ حوالي 400 مشروع جامعي جديد أو كان قد بوشر به قبل الحرب .
كنت وضعت نصب عينيّ مسألة المستوى ألمعاشي للأساتذة ، بل اعتبرته " معركتي" التي تكللت بالنجاح بصدور القرار التاريخي لمجلس الوزراء الذي عدل قانون الخدمة الجامعية ، وبموجبه تم تخويل الوزير رفع رواتب التدريسيين بنسبة تتراوح بين 60- 100 % ، فاستخدمت ذلك التخويل بحده الأعلى ورفعنا رواتب الجميع 100% ، كما إن القرار ضمن حياة أفضل للأساتذة بعد إحالتهم على التقاعد، لذا نص على إن يتقاضى موظف الخدمة الجامعية راتبا تقاعديا مساويا لما يتقاضاه أقرانه المستمرون في الخدمة، وشموله بالزيادات التي تشملهم، وهكذا ضمنا حياة كريمة لعلماء العراق، تقديرا لما قدموه في مسيرة بلدهم العلمية، خاصة في ظروفه الصعبة، وقد نشر القرار في الجريدة الرسمية " الوقائع العراقية " منتصف شباط 2005، إلا إن حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري التي حلت محل حكومة الدكتور إياد علاوي ، ماطلت في تنفيذه لغاية 1- 7 – 2005 لأسباب سياسية، لأنها أرادت أن تجيّر القرار لها، كما ظهر ذلك عبر التصريحات المتكررة لها، وبهذا يكون لجميع الأساتذة في ذمة الجعفري وحكومته حقوق مالية مابين نشر القرار وتنفيذه ، مع الإشارة إلى أنها قامت بذلك دون أن تصدر قراراً جديداً، تنشره بالجريدة الرسمية، بل اكتفت بتوجية شفوي ، وهنا ارتكبت مخالفة قانونية تُحاسب عليها بمقتضى نصوص الدستور.
بالإضافة إلى ما تقدم ، فقد حرصنا ، أثناء استيزارنا ، على تأكيد استقلالية الجامعات ، ورفع الغطاء الثقيل الذي مارسته الوزارة، فأطلقنا حرية السفر حتى لعمداء الكليات من دون اخذ موافقة الوزارة، ومنحنا الأقسام العلمية صلاحية تعيين الأساتذة ، وتم إلغاء الكتب المنهجية، واعتمدنا على الكتب المساعدة، فيما تم إدخال التقنيات الحديثة من قبيل شبكات الانترنيت، وغيرها، وجرى تنفيذ برنامج طموح للزمالات التدريبية والبحثية قصيرة الأمد للأساتذة ، ووضعت قواعد رصينة لتعيين الأوائل في الأقسام العلمية ، وضمان حصولهم على البعثات الدراسية، بترشيح من الأقسام ، وفق قاعدة تنافسية علمية، وقلصنا القبول في الدراسات العليا داخل العراق ، وأغلقناها في الأقسام التي لا تتوفر فيها المعايير العلمية القياسية وشمل الغلق 153 اختصاصا علميا .. إلى غير ذلك من الإجراءات التي كانت تهدف إلى الارتفاع بمستوى التعليم العالي نوعياً. ولا حرج من القول هنا، أنّ الفترة القصيرة نسبياً، التي أمضيناها في تولـّي مسؤولية وزارة التعليم العالي، أرست قاعدة لا يُستهان بجديتها، ومهنيتا ، وسيظل هذا الإنجاز – في ظل الظروف الصعبة والمعقدة التي أحيط بها- موضع اعتزازنا ، واعتزاز الكثير من المخلصين الذين أكدوا انتماءهم الوطني بالعمل لا بالشعارات.
وفي صيف 2004 عقد المؤتمر السابع للتعليم العالي ، الذي جرى الإعداد له بمشاركة واسعة جدا من الأساتذة ، ببحوث تناولت مختلف جوانب العملية العلمية والتربوية ، وقد حددنا فيه تصوراتنا للنهوض بالجامعات العراقية ( 6 ) .وفي ختام أعمال المؤتمر صدرت توصيات رسمت السياسة التي يجب على الجامعات والوزارة انتهاجها في المرحلة اللاحقة ، إلا إننا لم نستطع حتى هذه اللحظة التخلص من سطوة الفرد المسؤول على المؤسسة ، وذلك لأننا في الشرق مصابون بمرض "شخصنة " الأشياء العامة ، فدولنا ومعارضتنا ومؤسساتنا تتمحور حول شخص المسؤول الأول ، وهذا ما لم تتخلص منه حتى الجامعات والمؤسسات الأكاديمية ، فسادت ظاهرة "سياسة الوزير لا الوزارة " ، وعلى قاعدة "كلما دخلت امة لعنت أختها" ، تتغير سياسات الوزارة بتغير شخص الوزير ، وهكذا لا تزال توصيات المؤتمر تنتظر المتابعة و التنفيذ ، وربما تركن على الرفوف ، وتكون نســـــياً منسيا "7 ".
لم تكن الطريق معبدة أمام الوزارة فقد اعترضتنا عقبات جمة؛ منها تصاعد موجة الاغتيالات ضد الأساتذة ، ومن مختلف الاختصاصات والاتجاهات والمذاهب والاديان ، ولعل ما كان يلفت النظر – وهو ما يجري حتى يومنا هذا- ان كل الجرائم سجلت ضد مجهولين، فلم تستطع أجهزة الدولة القبض على مرتكب أية جريمة من الجرائم التي كانت قاسية جداً في وحشية أدائها وهمجية مراميها. ويذكر العراقيون جميعاً عملية اختطاف رئيس جامعة الانبار من قبل عصابة شريرة من أبناء بلدته، ولم يُفرج عنه المختطفون - بعد أكثر من ثلاثة أسابيع - إلا بعد أن دفع ذووه فدية مالية كبيرة.
ترافق هذا مع ظواهر جديدة برزت على السطح أشاعتها إدارات جامعية أو غيرها، لفرض فكرها الديني أو السلفي أو الحزبي ، فقد طلب رئيس جامعة من الطالبات المسيحيات ارتداء الحجاب في شهر رمضان، بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعفي من منصبه، وأعفي آخر لأنه أرسل منتسبي جامعته مع سياراتهم للمشاركة في تمرد يقوده رجل دين، ولما القي القبض على أولئك المنتسبين من قبل الشرطة، أنكر انه ارسلهم مما اشر لدينا انه لا يستطيع أن يطبق منهج استقلالية المؤسسة العلمية والنأي بها عن الصراعات السياسية، وتعرض الوزير –حينئذ- إلى هجوم من قبل الصحافة التابعة للتيار الديني عندما أدان الممارسات التي قامت بها مجموعة متطرفة في البصرة بالاعتداء على طلاب كلية الهندسة الذين نظموا سفرة ترفيهية بمناسبة تخرجهم . وفي الجامعة ذاتها رفض رئيس الجامعة تسجيل مباشرة عدد من الأساتذة ، أعضاء الفرق ، الذين اعبدوا لوظائفهم وفق الأصول وبتوصية من الجامعة ذاتها ، وذلك تحت تهديد الأحزاب الدينية ، التي تدخلت بشؤون الجامعة بشكل سافر ، وعالجنا موضوعهم بحكمة وروية وبالتشاور مع عدد منهم ، بعد إن أدركنا المخاطر التي تهدد حياتهم .
كما إن الحزب الإسلامي العراقي نشر مقالا افتتاحيا في جريته اليومية " دار السلام " "8"اتهمنا فيه بالطائفية ، لأننا أعفينا احد المدراء العامين في الوزارة ، وهو من كوادر الحزب المذكور ، وذلك لارتكابه خطأ إداريا ، خارج صلاحياته ، وتعمد إخفاءه عن الوزير ، وكان ذلك المقال سببا بتلقي الوزير مكالمة هاتفية من تلفون ماركريت حسن ، المختطفة حينئذ ، توعد المتكلم الوزير بالقتل القريب ، ونعته بالطائفي الحقير ، الأمر الذي تم تسجيله لدى الشرطة العراقية في حينها ، وفي وقت لاحق جاء كتاب من دائرة المخابرات العامة إلى الوزارة يقول إن مجموعة إرهابية قامت بتحديد موقع بيت الوزير في المنصور بجهاز (GPS) لتحديده بالضبط لغرض قصفه ( 9 ) .
قام الوزير بكتابة رد على المقال وضح وكشف فيه تجاوزات الحزب المذكور عندما كانت الوزارة من حصته في الوزارة السابقة ، عزز الرد ب(200 ) وثيقة صادرة من الحزب نفسه إلى الوزير السابق تأمره بالتعيينات أو إهداء سيارات الوزارة إلى فروع الحزب المذكور ، خارج كل السياقات المتبعة ، وقد فعلها جميعا ، ورفض الحزب إعادة السيارات التي استولى عليها من الوزارة ، رغم مطالباتنا المتكررة بها (10 ) .
أرادت بعض الأحزاب المشاركة في الحكم تعيين منتسبيها في الإدارة الجامعية فأخذت تخاطب رئيس الوزراء، كي يأمر الوزارة بذلك ، لكننا رفضنا ذلك وبقوة ولم نستجب لطلبات مماثلة من احد أعضاء هيئة الرئاسة،الذي تدخل رسميا وشخصيا فرفضنا الاستجابة له ، وعندما ثبت لدينا إن بعض العمداء أو المدراء العامين كانوا يمارسون نشاطهم الحزبي أثناء الدوام الرسمي، ويضغطون على منتسبيهم –طلبة ً وأساتذة ً- للانتماء إلى أحزابهم لم نتردد عن قرار إعفائهم من مناصبهم، وهذا جرى، في جامعات البلد من شماله حتى جنوبه. وبالقدر نفسه منعنا الدعايات الانتخابية لجميع القوائم المتنافسة في انتخابات الجمعية الوطنية 30 كانون الثاني 2005 ، من دخول الجامعات ، رغم إنني رشحت فيها مع القائمة العراقية إلا إنني حرصت أن لا اتخذ الحرم الجامعي ميدانا للدعاية الانتخابية ، لكن ما يؤسف له إن ممثلي بعض القوائم الأخرى المشاركة في تلك الانتخابات لم يحترموا الحرم الجامعي ، ولم يتخذوا موقفنا قدوة حسنة لهم ، فدخلوا بعض الجامعات في المحافظات وعقدوا الندوات وبهذا اثبتوا أنهم غير حريصين على مبدأ استقلالية الجامعة و حياديتها .
شـُكلت حكومة الجعفري بطريقة تختلف عن سابقتها، إذ غلب عليها المحاصصات الطائفية والحزبية والقومية، وتراجع فيها ما اعتمد في تشكيل حكومة الدكتور أياد علاوي ، وكان من حسن حظ التعليم العالي إن يتولاها احد أبنائها الأستاذ الدكتور سامي المظفر، الذي وانْ شارك في الانتخابات مع الائتلاف العراقي الموحد، إلا انه ظل مستقلا في رؤاه سياسياً وإداريا ، ولهذا السبب جابهته مشاكل جمة أيضا ، واعتمد اسلوبا مختلفا عن الذي سبقه، فأعاد الدور المركزي للوزارة في قضايا التعيينات والسفر، والبعثات وغيرها، مما سلب الجامعات استقلاليتها التي تمتعت بها، قبل استيزاره.
وكانت أحداث مجمع الكليات التابعة لجامعة بغداد في باب المعظم مؤشرا مؤسفا على تدهور الأمور، وتدخل الأحزاب ، إذ أقام طلبة احد الأحزاب احتفالا بمناسبة تسنم الدكتور الجعفري رئاسة الحكومة من دون استحصال موافقة الكلية، فأعترض العميد على ذلك، وأحدث بعض الطلبة فوضى وشغباً لا مسوّغ لهما ، وفي مساء اليوم نفسه قتل رئيس الرابطة الطلابية ، منظم الاحتفال بالقرب من مسكنه ، فاتهم الحزب المذكور عميد كلية الصيدلة بقتله، وجرى هجوم على الأساتذة في تلك الكلية والكليات المجاورة، وتعرّض بعضهم للضرب، فيما جرى تهديد آخرين بالقتل، وأصدر طلاب ذلك الحزب بيانا حملوا رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي السابقين المسؤولية بذريعة أنهما أعادا البعثين إلى الجامعات، فاضطربت الأمور إلى مستوى مخيف ، غير إن الحكومة لم تحرك ساكناً ولم تـُجر التحقيق مع الفاعلين الذين اعتدوا على أساتذتهم بالضرب، وكأن الأحداث تجري في بلد أخر!!.
هذا شرح موجز عن حال التعليم العالي في العراق من نشأته حتى العام الدراسي 2004 ـــ2005، ومن أجل أنْ تكون ملامح الصورة أكثر، سنتحدث في الفصل القادم بلغة الأرقام كي يعيننا ما نرويه بصدق وحيادية وإخلاص لجهة العلم لا لغيره، في تقصي الحقائق التي يمكن أنْ تشكل أرضية صالحة في القابل من الأيام، لوضع المعالجات السليمة.
هوامش الفصل الأول
1- على سبيل المثال لا الحصر ، تضمن كتاب تاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر ، الذي كان يدرس في الصفوف الثالثة بأقسم التاريخ في كليات التربية ، وفي باب الحركات الإصلاحية ، بان الحركة الوهابية إحدى تلك الحركات ، لكن الأمر اختلف عندما تقاطع النظام مع النظام السعودي ، اثر غزو الكويت 1990 ، فصدرت التعليمات بحذف الحركة الوهابية من الكتاب ، وتدريسها على إنها حركة هدامة .
2- من النكات التي شاعت في تلك المرحلة ، وهي حقيقة ، صيغت على شكل نكتة ،إن احد الأساتذة ذهب لتصليح سيارته ، وعندما طلب صاحب المحل أجرة التصليح اعترض الأستاذ على ارتفاعها ، فسأله صاحب المحل عن عمله فاخبره به ، فما كان من ( الاسطه) إلا الرد وباللهجة العراقية ( ليش تضيع مستقبلك وتصير أستاذ جامعة ) .
3- أصبح منظر الأساتذة وهم يرتدون تلك البدلات معروفا واخذ الناس يتندرون ، ومن المواقف الطريفة والمعبرة أن احد عمال كراجات النقل كان ينادي على المارة للركوب بسيارته فلاحظ شخصا يرتدي بدلة جديدة فناداه " تفضل أستاذ تفضل دكتور " فسأله الأستاذ كيف عرفتني ؟ فرد عليه من بدلتكم " المكرمة " يا أستاذ .
4- ومن المضحكات المبكيات إن رأس النظام وهو يعلم علم اليقين ما كانت تعانيه الجامعات ومكتباتها من نقص حاد في مصادر المعلومات " كتب ومجلات " قام أثناء قيام جمهورية مصر العربية بإنشاء مكتبة الإسكندرية وتنظيمها لحملة دولية لجمع التبرعات لها بالسؤال عن اكبر الدول العربية تبرعا ، فاخبر بان أكبرها دفعت عشرة ملايين دولار أمريكي ، على ما أتذكر ، فتبرع هو باسم العراق بأحد عشر مليون ؟؟!!!!.
5- انظر نص إعلان أربيل : ملحق رقم (1 ) .
6- ينظر نص كلمة وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، الدكتور طاهر البكاء في ملحق رقم (2 ) .
7- للتفصيل عن المؤتمر السابع للتعليم العالي والبحث العلمي وتوصياته وباللغتين العربية والإنكليزية ينظر : وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، توصيات مؤتمر التعليم العالي السبع 22 – 23 أيلول 2004 .
8- انظر : دار السلام " جريدة " العدد الصادر يوم الخميس 7-10-2004 .
9- ينظر كتاب جهاز المخابرات المرقم 1535 /113 / خ المؤرخ في 23 /11 / 2004 .
10- انظر نص رد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور طاهر البكاء على المقال الافتتاحي لجريدة دار السلام ، الناطقة باسم الحزب الإسلامي العراق في : ملحق رقم ( 3 ) .
الفصل الثاني
الواقع الجامعي بلغة الأرقام
للعام الدراسي 2004-2005
تعتمد العملية التعليمية على فلسفات المهتمين بهذا الميدان، ونظرياتهم، وآرائهم. و مع الأيام أرسيت مقاييس تكاد تكون عالمية، تهدف إلى تحقيق التوازن الامثل بين أركان العملية التعليمية، اساتذة ، و طلبة ، ومستلزمات ، ولا شك فإن أيّ خلل في إحداها يؤثر في الأخريات حتما ً، وبنسب مختلفة، وغالبا ما تعد نسب القبول على أساس الطاقة الاستيعابية ، وحاجة البلد من المخرجات في الاختصاصات المختلفة، إلا إن الأمر يختلف في حالة العراق ، فبتأثير القرارات السياسية المركزية ، جرى تجاوز المقاييس العلمية، وبدا البون شاسعا ، واختل الميزان اختلالا غير طبيعي ، مما يتطلب إعادة التوازن إليه، عبر سياسة علمية رقمية لا تخضع لأمزجة الإداريين أو السياسيين. من هنا كان هذا الفصل الذي يستعرض الواقع على مستويات الجامعات والكليات و الأقسام ، وبعض القطاعات .
الركن الأول : نسبة الأساتذة إلى الطلبة :-
إن أية عملية تقويم لابد أن تعتمد على معايير، وعلى نسب قياسية في تلك المعايير، وإذا ما سلمنا جدلا -وهو واقع الحال- بان المستلزمات المتيسرة في أكثر من 90% من جامعاتنا لا تلبي الحدود الدنيا مما هو متعارف عليه عالميا، أو حتى في العراق بسبب الحروب والحصار ، فإننا نجد نسبة التدريسيين القياسية إلى عدد الطلبة في الدراسات الأولية ، قد اختلت بشكل لا يمكن القبول به أو السكوت عنه. ولهذا جاء قرار حكومة الدكتور أياد علاوي بإطلاق البعثات العلمية، محاولة جادة لإعادة التوازن إلى هذا المعيار، الذي لا يمكن –علمياً- القبول باختلاله على وجه الدوام.
كانت النسبة القياسية المعتمدة ولاتزال في العراق تقسم الاختصاصات إلى خمس مجموعات رئيسة كالتالي :
|
اسم المجموعة |
النسبة القياسية (أستاذ إلى طالب)
|
|
1- الطبية(الطب وطب الأسنان ) |
1- 10 |
|
2- كليات الصيدلة |
1- 15 |
|
3- الهندسية |
1- 20 |
|
4- العلوم الصرفة |
1-25 |
|
5- التخصصات الإنسانية والإدارية |
1- 30 |
إن التدريسي المقصود بالنسبة القياسية هو من حملة شهادة الدكتوراه، وليس كما هو الحال لدينا في الوقت الحاضر، إذ إن قانون الخدمة الجامعية يعدُّ حملة الماجستير أعضاء هيئة تدريسية، ففي الوقت الذي لا نرى مانعا في ذلك، نعتقد أن هؤلاء لا يجوز لهم إعطاء دروس نظرية، وكلما زاد عدد أعضاء الهيئة التدريسية من حملة شهادة الدكتوراه والألقاب العلمية المتقدمة في الجامعات، أوحى برصانتها، وأضفى عليها وشاح الجدية في احترام المعايير العلمية الأكاديمية واحترامها.
من المؤسف حقا اضطرار الجامعات لضم حملة الماجستير إلى الهيئة التدريسية، واعتمادها عليهم الآن بشكل واسع في إلقاء الدروس النظرية ، ومما لا يبعث على السرور إن يكون حملة البكالوريوس في هيئة المعاهد التقنية أعضاء هيئة تدريسية، وكانوا في السابق مشمولين بنظام الترقيات العلمية، فيــــما حصل عدد منهم على ألقاب علمية متقدمة ( أستاذ وأستاذ مساعد )، غير أن هذا الأمر عـولج بإلغاء قرار اعتبارهم أعضاء هيئة تدريس، لتتمكن الهيئة التي تعاني من هذا الخلل من مواكبة الجامعات العراقية في المقاييس الأكاديمية .
زوّدنا جهاز الإشراف والتقويم العلمي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بجداول إحصائية، اعتمد في توثيقها على الأرقام التي حصل عليها من الكليات والجامعات. ولابد من الإشارة إلى أن بعض الجامعات لم تزود الوزارة بالإحصاءات المطلوبة مثل جامعات "البصرة، واربيل، ودهوك" أو أن الإحصاءات لم تكن تفصيلية في بعض الأحيان ، وهذا ما ظهر على الجداول الرقمية لعدد من الكليات في جامعات السليمانية وبابل.
ولأجل تسليط الضوء على الواقع القائم، نستعرض في الجداول القادمة القطاعات المختلفة واْعداد التدريسيين من حملة شهادة الدكتوراه وأعداد الطلبة في الدراسة الأولية والنسبة بينهما ، مقارنة بالنسبة القياسية لمعرفة مقدار النقص في كل قطاع وكلية.
أولا: المجموعة الطبية :
تعد كلية الطب في جامعة بغداد من اعرق الكليات الطبية في المنطقة، تليها طب الموصل ومن ثم طب البصرة، لكن توسعاً غير منطقي جرى في هذا القطاع وذلك بفتح كليات طبية في سنوات الحصار، واستمرت هذه الحال بعد الاحتلال، من دون توافر المستلزمات المطلوبة، اللهم إلا النسبة العالية من المرضى الذين يشكلون ( حالات أو عينات للدراسة وتطوير الخبرة ). وقد شجع وجود مستشفيات مركزية كبيرة في جميع المحافظات تقريبا على فتح تلك الكليات، مع الانتباه إلى إن جميع كليات الطب في العراق لا تمتلك مستشفيات تعليمية خاصة بها، وجميعها تعتمد على مستشفيات وزارة الصحة الأمر الذي يولد على الدوام مشاكل ادراية تؤثر سلبا في العملية التعليمية .
فضلا عمّا تقدم فان جميع الكليات الطبية تعاني من نقص في الكفاءات العالية، وإذا توفرت في بعض الفروع الطبية، فإن فروعاً أخرى ، ظلت تفتقر إليها بشكل أحدث خللا في العملية التعليمية. والجدول التالي يوضح لنا الواقع القائم في السنة الدراسية 2004-2005 .
جدول رقم (1) المجموعة الطبية
النسبة القياسية 1 - 10
|
التسلسل |
اسم الكلية |
عدد التدريسيين من حملة الدكتوراه |
عدد طلبة الدراسة الأولية |
النسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين من حملة الدكتوراه |
عدد التدريسين من حملة الماجستير |
|
1 |
السليمانية |
45 |
677 |
1-15 |
-22 |
12 |
|
2 |
ذي قار |
صفر |
31 |
صفر |
فتح جديد |
18 |
|
3 |
كربلاء |
8 |
30 |
|
فتح جديد |
10 |
|
4 |
ديالى |
صفر |
114 |
|
فتح جديد |
5 |
|
5 |
القادسية |
14 |
288 |
1- 20 |
- 15 |
14 |
|
6 |
تكريت |
39 |
463 |
1-12 |
-7 |
34 |
|
7 |
المستنصرية |
124 |
1331 |
1- 11 |
- 6 |
53 |
|
8 |
نينوى |
4 |
172 |
1-34 |
-13 |
8 |
|
9 |
الموصل |
105 |
1049 |
1 -10 |
لا يوجد |
77 |
|
10 |
الانبار |
41 |
375 |
1- 9 |
لا يوجد |
25 |
|
11 |
الكوفة |
55 |
488 |
1 -9 |
لا يوجد |
39 |
|
12 |
النهرين |
147 |
301 |
1 -2 |
وضعها خاص |
3 |
|
13 |
الكندي |
72 |
560 |
1 -8 |
لا يوجد |
28 |
|
14 |
بغداد |
172 |
1528 |
1 -9 |
لا يوجد |
49 |
|
15 |
بابل |
40 |
566 |
1 -14 |
-16 |
45 |
إن قراءة للنسب اعلاة تؤشر إلى إن القاطع الطبي في وضع مريح أو شبه ذلك في اغلب الأحيان، وان الخلل الحاد الظاهر في الجدول، هو في كلية طب نينوى التي أنشئت قبل الحرب، وهي كلية تعتمد على شقيقتها طب الموصل، والخلل الآخر هو في طب القادسية إذ تصل النسبة إلى ضعف النسبة القياسية، وكذا الحال في طب السليمانية، بينما ينعدم وجود تدريسيين من حملة شهادة الدكتوراه في كليتي طب ذي قار وديالى، لانهما حديثتا التأسيس ، وعادة يدرس في السنة الأولى في الكليات الطبية العلوم الأساسية الصرفة ( علوم الحياة والكيمياء ) دون السريرية ، والكليتان تعتمدان على التدريسيين في قسمي الكيمياء وعلوم الحياة من أساتذة كليتي التربية والعلوم في الجامعتين .
أما جامعة النهرين فلها وضع خاص في القبول والمخرجات وتعتمد نظام الأرباع وتمنح شهادة الماجستير .
جدول رقم ( 2 )
كليات طب الأسنان
النسبة القياسية 1 – 10
|
التسلسل
|
الكلية |
عدد التدريسيين حملة شهادة الدكتوراه |
عدد الطلبة في الدراسة الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين من حملة الدكتوراه |
عدد التدريسيين من حملة الماجستير |
|
1 |
بغداد |
36 |
1215 |
1-34 |
- 84 |
230 |
|
2 |
السليمانية |
صفر |
195 |
|
-9 |
4 |
|
3 |
بابل |
صفر |
307 |
|
-31 |
21 |
|
4 |
الانبار |
صفر |
210 |
|
-21 |
42 |
|
5 |
تكريت |
صفر |
|
|
فتح جديد |
7 |
|
6 |
المستنصرية |
6 |
441 |
1-73 |
-28 |
57 |
|
7 |
نينوى |
14 |
454 |
1-32 |
-31 |
108 |
وفي الجدول أعلاه يتضح الخلل الكبير في كليات طب الأسنان ، إذ لا توجد كلية في العراق تقترب من النسبة القياسية، وفي أفضل الحالات كما في نينوى وبغداد فان النسبة ثلاثة أضعاف القياسية وفي المستنصرية سبعة أضعاف، أما بقية الكليات في السليمانية وبابل والانبار وتكريت، فلا يوجد فيها اي تدريسي من حملة شهادة الدكتوراه .
الظاهرة البارزة بشكل كبير في كليات طب الأسنان هي وجود أعداد كبيرة من حملة الماجستير، ففي كلية طب الاسنان في بغداد لوحدها هناك (230) منهم ، وبينهم كثيرون ممن هم حاصلون على ألقاب علمية متقدمة ( أستاذ وأستاذ مساعد )، باعتبار إن شهادات طب الأسنان شهادات مهنية في الاختصاص، فيما يتم تحديد الكفاءات بالاعتماد على الخبرة المهنية. وحتى لو سلمنا بهذا الرأي فانه لا يبرر خلو الكليات من حملة شهادة الدكتوراه، لان في ذلك ضمانا لسيادة التقاليد والمعايير الأكاديمية ، ولا نجد مبررا لاستحداث كليات من دون توفر المستلزمات العلمية بمواصفاتها الصحيحة، كما هي الحالة في طب أسنان الانبار، التي اشرنا إلى ظروف تأسيسها في الفصل الأول من هذه الدراسة .
جدول رقم (3 )
كليات الصيدلة
النسبة القياسية 1 – 15
|
التسلسل |
الكلية |
عدد التدريسيين من حملة شهادة الدكتوراه |
أعداد الطلبة في الدراسة الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين من حملة الدكتوراه |
عدد التدريسيين من حملة الماجستير |
|
1 |
بغداد |
34 |
1442 |
1-34 |
-62 |
58 |
|
2 |
الكوفة |
صفر |
475 |
|
-31 |
24 |
|
3 |
تكريت |
5 |
183 |
1-36 |
-7 |
11 |
|
4 |
المستنصرية |
12 |
477 |
1- 40 |
-19 |
19 |
|
5 |
الموصل |
22 |
459 |
1-21 |
-8 |
39 |
يصور لنا الجدول أعلاه ، إن كليات الصيدلة في العراق على محدوديتها، شانها شان كليات طب الأسنان في مسألة قلة حملة شهادات الدكتوراه، واعتمادها على حملة الماجستير، غير إن الأمر الذي لا نجد له مبررا علميا، هو تأسيس كليتي الصيدلة في تكريت والكوفة اللتين تفتقران الى الكفاءات، فكيف تقاد هاتان الكليتان؟ كيف توفران لنفسهما عمداء وروساء أقسام ، ولجاناً علمية ، وكلها مواقع أكاديمية، تتطلب في من يتولاها – قانونا- أن يتمتع بألقاب علمية متقدمة، ولكنْ، كما أسلفنا ؛ فان تأسيس الكليات كان ولما يزل لا يخضع لقاعدة توفر أركان العملية التعليمية ، بقدر خضوعه إلى أهداف سياسية أو جهوية أو مزاجية آنية ، هي برمتها، عشوائية، اعتباطية، تضر كثيراً، في مجمل الوضع العلمي في البلد، وتفقده رصانته، التي كانت دائماً، مطمح المخلصين من قادة حقل التعليم العالي في حقبة تاريخ العراق الحديث.
ثانيا : المجموعة الهندسية
جدول رقم (4 )
المجموعة الهندسية
النسبة القياسية 1 – 20
|
التسلسل |
الكلية |
عدد التدريسيين حملة شهادة الدكتوراه |
أعداد الطلبة في الدراسات الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين من حملة الدكتوراه |
عدد التدريسيين من حملة الماجستير |
|
1 |
الخوارزمي |
13 |
242 |
1 -12 |
لا يوجد |
40 |
|
2 |
بغداد |
109 |
3276 |
1-30 |
-54 |
199 |
|
3 |
السيطرة والنظم الجامعة التكنلوجية |
9 |
471 |
1-24 |
-15 |
37 |
|
4 |
ذي قار |
صفر |
128 |
|
-12 |
23 |
|
5 |
السليمانية |
صفر |
688 |
|
-34 |
؟ |
|
6 |
ديالى |
صفر |
987 |
|
-49 |
34 |
|
7 |
بابل |
25 |
1469 |
1-59 |
-48 |
96 |
|
8 |
الكوفة |
8 |
871 |
1-109 |
-35 |
53 |
|
9 |
تكريت |
32 |
825 |
1-26 |
-9 |
52 |
|
10 |
المستنصرية |
54 |
1837 |
1-34 |
-37 |
168 |
|
11 |
الموصل |
77 |
1998 |
1-26 |
-22 |
185 |
|
12 |
الالكترونية/موصل |
صفر |
471 |
|
-23 |
16 |
|
13 |
النهرين |
56 |
545 |
1-8 |
لها وضع خاص |
1 |
|
14 |
الانبار |
6 |
870 |
|
|
46 |
يبيّن لنا الجدول أعلاه ، إن النقص في كلية الهندسة بجامعة الكوفة كبير جدا، إذ بلغت النسبة 1 – 109 إي أكثر من خمسة أضعاف ، وفي بابل ثلاثة أضعاف، ومثل هذه النتيجة تهون وتتضاءل خطورتها، أمام حالة انعدام التدريسيين من حملة الدكتوراه في خمس كليات هي السليمانية وديالى وذي قار والهندسة الالكترونية في الموصل، وهذا غير مقبول خاصة في التخصصات العلمية التي لها تأثير مباشر في حياة الناس مثل الطبية والصيدلة وطب الأسنان والهندسة وغيرها .
وإذا سلمنا بان النقص في كليات الهندسة ببغداد يمكن أن تعالجه هي نفسها، بالتعاون فيما بينها أو بالاستعانة بالكفاءات المتوفرة في مؤسسات الدولة الأخرى ، فان السؤال الكبير: كيف يتسنى للكليات في المحافظات معالجة ذلك؟، وهي تفتقر للعمق الذي تتمتع به بغداد، وإذا سلمنا أيضا بأنها تتعاون فيما بينها أو تستعين بمحاضرين من بغداد، فالسؤال الأخر: ما هي مبررات هذا التوسع في ظل غياب الامكانات البشرية والمادية والفنية؟! وهو أمر مخالف للمعايير الأكاديمية، التي تشترط أن تكتفي الكليات بذاتها ، ولو بالحدود الدنيا لتلك الاشتراطات.
ثالثا : مجموعة العلوم الصرفة
جدول رقم (5 )
مجموعة كليات العلوم الصرفة
النسبة القياسية 1 – 25
|
التسلسل |
اسم الكلية |
عدد الأساتذة حملة الدكتوراة |
عدد الطلبة |
النسبة |
النقص |
عدد التدريسيين من حملة الماجستير |
|
1 |
علوم الحاسبات في الجامعة التكنلوجية |
15 |
417 |
1-28 |
-1 |
16 |
|
2 |
تكنلوجيا المعلومات |
11 |
310 |
1-28 |
-5 |
29 |
|
3 |
السليمانية |
17 |
1236 |
1-73 |
-32 |
88 |
|
4 |
واسط |
9 |
273 |
1-30 |
-2 |
17 |
|
5 |
ذي قار |
صفر |
909 |
|
-36 |
46 |
|
6 |
كربلاء |
6 |
912 |
1 -152 |
-30 |
45 |
|
7 |
علوم ديالى |
4 |
973 |
1-243 |
-35 |
33 |
|
8 |
بابل |
29 |
1438 |
1-50 |
-28 |
68 |
|
9 |
الكوفه |
4 |
756 |
1-189 |
-26 |
53 |
|
10 |
القادسية |
6 |
864 |
1-144 |
-28 |
26 |
|
11 |
المثنى |
صفر |
375 |
صفر |
-15 |
38 |
|
12 |
تكريت |
21 |
799 |
1-30 |
-10 |
33 |
|
13 |
البنات/بغداد |
49 |
997 |
1-20 |
لا يوجد |
90 |
|
14 |
بغداد |
164 |
2507 |
1-15 |
لا يوجد |
234 |
|
15 |
التربية/ابن الهيثم |
138 |
3058 |
1-22 |
لا يوجد |
221 |
|
16 |
الموصل |
144 |
1385 |
1-7 |
لا يوجد |
204 |
|
17 |
الحاسبات و الرياضيات الموصل |
33 |
1624 |
1-50 |
-32 |
111 |
|
18 |
النهرين |
48 |
124 |
|
|
1 |
|
19 |
كركوك |
16 |
322 |
1-20 |
لا يوجد |
21 |
|
20 |
الانبار |
23 |
710 |
1-30 |
-5 |
32 |
|
21 |
المستنصرية |
114 |
1996 |
1-17 |
لا يوجد |
206 |
يستمر الخلل في النسب القياسية بين أعداد التدريسين إلى أعداد الطلبة، ويمتد إلى كليات العلوم الصرفة، ويظهر مؤسفا في كليات العلوم في المثنى وذي قار، وتكون النسبة بأبشع صورة لها في ديالى، إذ تسجل تدريسياً واحداً إلى 243، تليها الكوفة 1 - 189، ثم كربلاء 1 - 152 ، فالقادسية 1- 144. وسنجد إن النسب تختل اختلالا غير طبيعي في بعض أقسام تلك الكليات، ولدرجة مؤسفة أيضا وتشكل ظاهرة لا يمكن التغاضي عنها ، كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقا.
رابعا : مجموعة العلوم الإنسانية
جدول رقم (6)
مجموعة الكليات الإنسانية والإدارية
النسبة القياسية 1 – 30
6- ا – كليات القانون
|
التسلسل |
الكلية |
عدد التدريسيين حملة شهادة الدكتوراه |
أعداد الطلبة في الدراسة الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين من حملة الدكتوراه |
عدد التدريسيين من حملة الماجستير |
|
1 |
بغداد |
22 |
1297 |
1 -60 |
-30 |
1 |
|
2 |
كركوك |
8 |
622 |
1- 78 |
- 12 |
19 |
|
3 |
السليمانية |
4 |
372 |
1 – 93 |
- 8 |
12 |
|
4 |
كربلاء |
4 |
339 |
1- 85 |
- 7 |
16 |
|
5 |
بابل |
13 |
977 |
1 – 75 |
- 19 |
31 |
|
6 |
ديالى |
11 |
534 |
1 – 49 |
- 6 |
8 |
|
7 |
الانبار |
13 |
810 |
1 – 62 |
- 4 |
13 |
|
8 |
الكوفة |
4 |
369 |
1 – 92 |
- 8 |
13 |
|
10 |
القادسية |
4 |
410 |
1 – 103 |
- 9 |
11 |
|
11 |
المستنصرية |
15 |
671 |
1 – 45 |
- 7 |
19 |
|
12 |
الموصل |
31 |
1428 |
1 – 46 |
- 3 |
26 |
|
13 |
النهرين |
19 |
216 |
|
|
1 |
|
14 |
تكريت |
12 |
255 |
1 -21 |
لا يوجد |
13 |
لم تكن كليات القانون بمنأىً عن النقص في أعداد الأساتذة من حملة شهادة الدكتوراه ، ويبين لنا الجدول أعلاه إن الكليات في السليمانية وكربلاء والكوفة والقادسية ، تعيش وضعاً غير طبيعي ، إذ ضمت كل واحدة منها أربعة من حملة شهادة الدكتوراه ، وهؤلاء بطبيعة الحال يشغلون المواقع الإدارية لـ(العميد ومعاونيه ورؤساء الأقسام) وهي مواقع تستنفد جل أوقاتهم ، فإذا ما شاركوا بالتدريس، فإنهم لا يستطيعون تغطية كل التخصصات المقررة ، ولهذا فإن اعتمادها على حملة الماجستير يظهر واضحا فيها.
6 ب : كليات الإدارة والاقتصاد
|
التسلسل |
الكلية |
عدد التدريسيين حملة شهادة الدكتوراه |
أعداد الطلبة في الدراسة الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين من حملة الدكتوراه |
عدد التدريسيين من حملة شهادة الماجستير |
|
1 |
واسط |
6 |
936 |
1 – 156 |
- 25 |
17 |
|
2 |
كربلاء |
15 |
1041 |
1 – 69 |
- 19 |
20 |
|
3 |
الانبار |
4 |
401 |
1 – 100 |
- 9 |
1 |
|
4 |
الكوفة |
15 |
1401 |
1 - 93 |
- 31 |
14 |
|
5 |
القادسية |
5 |
1982 |
1 – 396 |
- 61 |
35 |
|
6 |
تكريت |
13 |
749 |
1 - 58 |
- 11 |
20 |
|
7 |
المستنصرية |
62 |
3841 |
1-62 |
-66 |
78 |
|
8 |
الموصل |
40 |
3894 |
-97 |
-89 |
73 |
|
9 |
بغداد |
87 |
3407 |
1-39 |
-27 |
64 |
لا تختلف كليات الإدارة والاقتصاد، ذوات النسبة العالية في استيعاب الطلبة، عن غيرها من الكليات الإنسانية والعلمية، في حجم النقص الحاصل في عدد التدريسيين من حملة الدكتوراه، لكن ما يلفت النظر، تلك النسبة الهائلة في القادسية التي بلغت تدريسياً واحداً إلى 396 إي أكثر من ثلاث عشرة مرة أضعاف النسبة القياسية، تليها واسط بأكثر من خمس مرات، ومن بعدهما الانبار بأكثر من ثلاثة أضعاف، وتظهر النسبة أكثر وضوحا على مستوى الأقسام ، إذ نشاهد تخمة في أقسام ، وفقراً كبيراً في أقسام المحاسبة الإحصاء ، كما سيتبين لاحقا .
6ج : كليات الزراعة
|
التسلسل |
الكلية |
عدد التدريسيين حملة شهادة الدكتوراه |
أعداد الطلبة بالدراسة الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين حملة الدكتوراه |
عدد التدريسيين حملة الماجستير |
|
1 |
بغداد |
229 |
4083 |
1 – 18 |
لا يوجد |
146 |
|
2 |
الموصل |
130 |
1300 |
1 – 10 |
لا يوجد |
82 |
|
3 |
ديالى |
8 |
79 |
1 – 10 |
فتح جديد |
5 |
|
4 |
السليمانية |
13 |
682 |
1 – 52 |
- 9 |
57 |
|
5 |
بابل |
8 |
69 |
1 – 7 |
فتح جديد |
16 |
|
6 |
الكوفة |
21 |
417 |
1 – 20 |
لا يوجد |
24 |
|
7 |
الانبار |
24 |
810 |
1 – 34 |
- 3 |
41 |
|
8 |
تكريت |
32 |
508 |
1 – 10 |
لا يوجد |
41 |
اختلفت الصورة في كليات الزراعة عن غيرها في الاختصاصات العلمية والإنسانية ، إذ إن النسب اقل بكثير عن النسب القياسية ، باستئناء السليمانية والانبار، ففي الأولى تضاعفت النسبة بأقل من مرة واحدة، وفي الثانية، يكاد النقص لا يذكر، على الرغم من وجود أعداد كبيرة من حملة الماجستير الذين - بوجود هذه الإعداد الكبيرة من الأساتذة حملة الدكتوراه- تنحصر واجباتهم بالإعمال المساعدة في المختبرات والحقول، الأمر الذي لابد أن يؤدي إلى تقدم نوعي في مستوى الأداء ، لكن مرد ذلك ليس إلى تخطيط سليم متبع بعملية القبول في تلك الكليات ، وإنما هو العزوف الواضح من قبل الطلبة عن اختيار كليات الزراعة عند التقديم للجامعات مركزياً. وكان من المفروض إتباع سياسة تشجع الطلبة نحو هذا القطاع المهم للنهوض بمستوى الزراعة في البلاد ، غير إن الإسقاطات الاجتماعية ، وتخلف وسائل الإنتاج الزراعي ، وانعدام فرص العمل لخريجي هذه الكليات كانت من أسباب هذا العزوف ، وبالتالي قلة الطلبة في هذا القطاع المهم .
7 ج : كليات الآداب
|
التسلسل |
الكلية |
عدد التدريسيين حملة شهادة الدكتور |
أعداد الطلبة في الدراسة الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص في التدريسيين حملة الدكتوراه |
عدد التدريسيين حملة الماجستير |
|
1 |
بغداد |
174 |
3005 |
1 – 17 |
لا يوجد |
36 |
|
2 |
الموصل |
88 |
2142 |
1 – 24 |
لا يوجد |
114 |
|
3 |
ذي قار |
5 |
1165 |
1 – 233 |
- 33 |
48 |
|
4 |
بابل |
9 |
89 |
1 – 10 |
فتح جديد |
|
|
5 |
الكوفة |
40 |
1292 |
1 – 23 |
لا يوجد |
46 |
|
6 |
الانبار |
22 |
766 |
1 – 34 |
- 3 |
31 |
|
7 |
القادسية |
14 |
1440 |
1 – 103 |
34 |
56 |
|
8 |
المستنصرية |
65 |
3463 |
1 – 20 |
لا يوجد |
113 |
إن المؤشر العام لنسبة الأساتذة إلى الطلبة في اغلب كليات الآداب يميل بشكل كبير
لصالح العملية التربوية ، فأعداد الأساتذة إلى الطلبة في بغداد والموصل والكوفة والمستنصرية أكثر من مريحة ، ولم تتجاوز النسبة القياسية ، وهي في الانبار مريحة أيضا ، لأنها تجاوزتها بقليل جدا ، لكن الخلل كبير، وكبير جدا في القادسية وذي قار، الأمر الذي يتطلب الإسراع بمعالجته ، غير إن هذا الوضع المريح لا يعني عدم وجود نواقص حادة في بعض الأقسام ، وبشكل خاص في اللغة الإنكليزية وغيرها ، وهو أمر سيظهر جلياً في هذه الدراسة لاحقا .
8د : كليات التربية
|
التسلسل |
الكلية |
عدد التدريسيين حملة شهادة الدكتوراه |
أعداد الطلبة في الدراسة الأولية |
نسبة تدريسي إلى طالب |
النقص |
عدد التدريسيين من حملة الماجستير |
|
1 |
التربية الرياضية بغداد |
87 |
1337 |
1 – 15 |
لا |