دمقرطة العراق وفدرلته .. زرع بعده حصاد

بقلم

الدكتور طاهر البكاء

كاتب من العراق

بوسطن20كانون الاول2005

 

     ماذا لو نجحت امريكا في سياستها المعلنة في العراق وحققت دمقرطته وفدرلته؟ هل سينحصر النجاح في العراق لوحده؟ أم أن عدوى ذلك ستنتقل الى دول الأقليم وبأسرع مما هو متوقع؟

   فلنحاول  مناقشة ذلك بهدوء  مستندين الى بعض الحقائق التاريخية, إذ من المعروف أن الديمقراطية لم تبن في اوربا بين ليلة وضحاها, بل هي  تراكم متواتر وغير منقطع لتجارب وممارسات ناجحة وأخرى فاشلة , ابتدأت مع الثورة الفرنسية بشكل واسع, وحملت أولى بوادرها  حروب نابليون التوسعية الى الشعوب الأخرى, لكنْ وعلى الرغم  مما لحق بمبادئ الثورة من ضرر جراء تلك الحروب, كانت فرنسا قلب الحدث حتى قيل في حقها ( إذا عطست فرنسا اصيبت اوربا بالزكام ) فهل سيعطس العراق عطسة ديمقراطية فدرالية تنتشر عدواها الى الأقليم برمته؟

ومن الحقائق التاريخية , ان المنطقة العربية عاشت في القرن العشرين وتعاملت مع مبادئ القومية العربية والأفكار والتجارب الشيوعية وهما وإن التقيتا  بمعاداة الغرب ونفوذه في المنطقة إلا انهما اصطرعتا في اكثر من ميدان حد القتال.

 انتهى القرن العشرون بهزيمة مشتركة للشيوعية- فكراً وتجارب وقوى عالمية- وللفكرة القومية العربية التي انتهت على يد أحزابها القومية ذاتها إثر فشل وتناحر التجربة الناصرية والتجارب البعثية وما أفرزته الأخيرة من ديكتاتوريات, حتى اصبح التحدث عن الوحدة العربية والأمة الواحدة  كأنه ضرب من الخيال , فتغلبت المصلحة القطرية على الهدف الوحدوي.

وبهزيمة الشيوعية والفكرة القومية العربية, لم يكن هناك فكر ثالث يملأ الفراغ في المنطقة العربية, لهذا رأينا الحكام العرب يفرضون دكتاتوريات متباينه في القسوة كنفوذ اجتماعي وفي الرجعية كمنهج فكري  لضبط مجتمعاتهم المحلية, فأصيب الناس بالأحباط والقنوط, وكان من الطبيعي والحالة هذه أن يلوذوا بالدين عساهم  ولعلهم يجدون فيه مخرجا  من المأزق الذي يعيشونه خاصة بعد نجاح التيار الديني في اسقاط نظام الشاه الدكتاتوري في ايران سنة 1979. 

 منذ ذلك الوقت وجدت الأحزاب والتيارات الدينية الأرض الخصبة التي تزدرع فيها خلاياها وفصائلها المدنية أو المسحلة ثم لتنمو وتزدهر حتى استطاعت استقطاب اعداد كثيرة من الشبان المتحمسين و ساعدها في ذلك امتلاكها للمال والسلاح والأرض, وحتى  الدعم الرسمي والأقليمي وربما الدولي, لكن هذا التيار سرعان ما سقط عندما انتهج الإرهاب والتكفير طريقا وأسلوبا.

ثم عادت المنطقة تعاني مرة أخرى من حالة  الفراغ الفكري, ولم يبق امامها –تحت ظلال النظام العالمي الجديد- سوى طريق الديمقراطية اسلوبا للتداول السلمي للسلطة.

 وبعد أن اسقطت القوا ت الأميركية نظام صدام تعهدت ادارة بوش ببناء عراق ديمقراطي, واستطاعت حتى هذه اللحظة النجاح  في اجراء  ممارسات موفقة عدة  برغم الارهاب القاتل هناك.

فما هو المطلوب الآن عراقيا لاستكمال بناء البلد الديمقراطي الفدرالي ؟ إن المطلوب بالتأكيد هو رعاية هذا الوليد وحمايته الى ان يكبر ويشتد عوده ولا شك في ان هذا التوجه  يتعارض مع المطالبات المتصاعدة بالأنسحاب الفوري من العراق بل يتطلب بناء الدولة العراقية اولا ثم يأتي الانسحاب متوّجا بانتصار الديمقراطية في العراق فتكون الولايات المتحدة الأميركية قد كسبت مصداقية القضاء على الأرهاب ونشر الديمقراطية وإنهاء الأحتلال, وأعتقد جازماً ان لذلك أثارا كبيرة. وهنا لابد من القول :إن على الأدراة الأميركية أن لا تكرر تجارب فاشلة لأدارات اميركية سابقة حاولت دمقرطة بعض البلدان في اميركا الللاتينية.

 فإذا ما نجحت التجربة في العراق فإن كرة الثلج الديمقراطية الفدرالية العراقية ستتدحرج ذات اليمين وذات الشمال لتغير الاقليم  عاجلا ام اجلا, ويلاحظ المراقب السياسي للمتغيرات في المنطقة أن علامات الحراك السياسي بتأثير التغيير في العراق قد بدأ فعلاً في المنطقة وفي السنة الأولى لسقوط نظام صدام, لكنه توقف فقط بتأثير الأرهاب المتفشي فيه.

إن القضاء على الأرهاب ونجاح التجربة الديمقراطية في العرق سيؤديان حتما الى ان تطالب شعوب المنطقة المجاورة بتطبيق النموذج الفدرالي العراقي -خاصة في ايران وتركيا وسوريا- إذ سيتحرك اكراد هذه الدول  مطالبين بامتيازات مشابهة لتك التي يتمتع بها أبناء عمومتهم في العراق, كما ان رياح الديمقراطية واللامركزية الأدراية ستهب على الجزيرة العربية وسوريا وربما تمتد رياح الديمقراطية الى مصر وليبيا لتعصف بـ(سستم) الأنظمة الثيوقراطية أو الدوغماتية  القائم في المنطقة منذ قرون طويلة (بقاء الحاكم الخليفة او الرئيس مدى الحياة).

إن بناء الديمقراطية ونشرها يتطلب وعيا سياسياً حقيقياً من نخب السياسة والثقافة بشكل أساس مثلما يتطلب المزيد من الممارسات والتجارب الفاعلة والمؤثرة والبانية, ولم تبد مثل هذه المظاهر إلا على مستوى قمة الدولة في العراق, أما المجتمع فهو حديث عهد بالديقمراطية  ولم يألفها او يحتكم اليها أو يقبل بنتائجها. إن القوى المتنافسة فيه أحزابا وحركات لم تألف هي الأخرى الديمقراطية في حياتها الداخلية ألا ان الممارسات والتعبيرات الديمقراطية أخذت تتغلعل في المفاصل المختلفة (ادارات الدولة – النقابات – الأحزاب ) ستنهي إفرازات هذه العملية ونتائجها المتراكمة والى  الأبد تلك القيادات الأبوية او التاريخية للأحزاب والحركات وستفرض عليها ان تكون ديمقراطية اسلوبا وممارسة في حياتها الداخلية, فالديمقراطية ثقافة ومما رسة متكاملة الجوانب وغير قابلة للإجتزاء, وما يجري في العراق الآن زرع, سيكون بعده حصاد من جنسه, فالمثل يقول: كما تزرع تحصد!

 Back to the home page