كاتب من العراق


حسناً فعلت وزارة التعليم العالي - في عهد وزيرها السابق طاهر البكاء والحالي سامي المظفر- بالمثابرة الرصينة لانتزاع حق مسلوب منذ عقود، وتصحيح اختلال خطير ترتب علي وقف البعثات الدراسية منذ نحو ربع قرن، في وقت ظلت حلقات طفيلية في المجتمع تتنعم بالسفر والإيفاد علي حساب الحلقات الأكثر فائدة للبلاد متمثلة بالمتفوقين من طلبة المعاهد والكليات.
وفي مناسبة سابقة، كانت لـ (الزمان) إشادة يستحقها البكاء والمظفر، كونهما شكلا أول نقطة ضوء في البناء المؤسساتي الذي لن تقوم للعراق قائمة من دونه، وليت جميع الوزارات العراقية تفيد من تجربة وزارة التعليم العالي في (الإصلاح) وليس (النسف) وفي استكمال الوزير الجديد البناء الرصين لسلفه.
ولمناسبة الإعلان عن إطلاق البعثات الدراسية، أجد من المفيد، دعوة جميع المعنيين، الي قطع الطريق علي أية محاولة لإفراغ هذه الخطوة من محتواها، فثمة مخاوف مشروعة من أن تسرق حلقات الفساد الإداري حقوق أصحاب الحق بهذه البعثات، تحت أغطية الرشوة والمحسوبية والمحاصصات.
وفي مقدوري أن أتوقع حجم الضغوط التي سيتعرض اليها المظفر ووزارته، من هذا (المسؤول) أو ذاك، وهذه الجهة أو تلك، لكن في مقدوري الاطمئنان الي أن الذي انتزع الحقوق من (حلق الأسد) سيمضي متحصناً بنزاهته ووفائه لشرف العلم، الي آخر الشوط، فلا يكون طرفاً في حرمان مستحق بعثة منها، وتنعّم غير مستحق لها بها.
لكن ذلك، لا يلغي حاجة وزارة التعليم العالي الي دعمنا جميعاً لها، وحمايتها من حلقات الفساد الإداري ومافيات الأحزاب التي لن تعدم وسيلة للتكسب غير المشروع إلا وتنتهجها.
ولهذا أقترح الآتي:
1- إلزام عمادة كل معهد أو كلية بتدقيق صارم لوثائق التخرج، وتكون العمادة مسؤولة قانوناً عن أية وثيقة متلاعب بها، تفادياً لأي تزوير قد يلجأ اليه من هم دون الربع الأول.
2- تجري المقابلات للمتقدمين بحضور ممثلي صحف وفضائيات، ويتم تصوير المقابلات، بهدف ضمان أكبر قدر من الشفافية والنزاهة.
3- يصار الي تخصيص فترة زمنية مناسبة لتقديم الاعتراضات، علي أن يقدم المعترض أسباباً موجبة لاعتراضه، وتقوم لجنة متخصصة بدراسة هذه الاعتراضات، فيما تقوم لجنة أخري بدراسة كل ما يردها من شكاوي مسندة عن أية حالة قبول غير شرعية.
4- تحظر الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والجمعية الوطنية) علي جميع مسؤولي الدولة والأحزاب، ممارسة أية ضغوط علي الوزارة لمنح بعثة خارج السياقات الأصولية.
***
وأجد من المهم، أيضاً، أن نستثمر جميعاً الموسم الانتخابي، لإلزام المرشحين واللوائح الانتخابية بأن تضمّن برنامجها اهتماماً بالتعليم العالي من حيث توفير الموارد المالية الكافية لتعويض جميع طلبة العراق وأساتذته الجامعيين عن الغبن الذي لحق بهم طيلة العقود السابقة، إذ لا يمكن بداهة النهوض بالعراق وإعادة العافية اليه، ما لم يتم الانتصاف الي كفاءاته ومواهبه ومتفوقيه.
إن وزارة التعليم العالي التي نطالبها بأن تضخّ الي الجسد العراقي كل يوم دماءً جديدة من الكفاءات والطاقات والمبدعين، يتعين علينا ألا نبخل عليها بالدعم المادي والمعنوي، وليس مقبولاً بعد الآن أن نرضي بتخصيصات مالية سنوية متواضعة لها، وليس مقبولاً أن نغضّ النظر أو نتعاطي ببرود مع أي انتهاك للحرم الجامعي أو أي قتل أو اختطاف أو تهديد أو إساءة الي أي طالب أو تدريسي أو أستاذ جامعي.
كلنا مسؤولون عن حظر أي مظهر من مظاهر التحزب أو التخندق الطائفي في مؤسساتنا العلمية والبحثية والفكرية، وكلنا مسؤولون عن التصدي لأية جهة تسترخص دماء علمائنا وأكاديميينا ومبدعينا، وكلنا مسؤولون عن أية رصاصة طائفية أو عنصرية أو ثأرية مريضة أو بندقية مأجورة تستهدف صروحنا العلمية والتعليمية والتربوية.
لا للإرهاب.. لا لاغتيال العلماء والمبدعين.. لا للوصاية من أية جهة علي التربية والتعليم في العراق الجديد.
***
شخصياً، سأنتخب من يقدم مشروعاً رصيناً لتحديث التعليم العالي.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2261 --- Date 17 / 11 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2261 --- التاريخ 17 / 11 /2005

Back to the home page